تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
شرح
فيه ظلماته لا نخناس جند العقل : أي تأخره عن مدافعته فيقوى سلطان الشيطان لا تساع مكانه بسبب انتشار الهوى في جوانبه فيقبل عليه بالتزين والغرور والأماني الكاذبة ويخدعه بها ويوحى بذلك زخرفا من القول غرورا فيضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد ويخبو نور اليقين لخوف الآخرة إذ يتصاعد من الهوى عند التمكن دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه فيحجب البصيرة حتى تنطفىء أنواره فيصير العقل فيه كالعين التي ملأ الدخان أجفانها فلا تقدر أن تنظر إلى شئ وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب إذا استولت عليه أعمت بصيرته حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار في جليات الحقائق ، ولو فرض أنه بصره واعظ وأسمعه ما هو الحق فيه وأفهمه بحسن تقريره عمى عن الفهم وصم عن السمع وهاجت الشهوة فيه وسطا الشيطان وتحركت الجوارح على وفق الهوى وظهرت المعصية إلي عالم الشهادة من خزائن الغيب بقضاء من اللّه وقدر ، وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى« أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا »وبقوله تعالى .« لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »وبقوله تعالى« سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » *وهذا هو القلب المنكوس الذي ذكر في حديث حذيفة عند تقسيم القلوب وهو الميال إلى النفس ، وإليه الإشارة بقوله تعالى« إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ». [ القلب الثالث ] قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلي الشر فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير ، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر ، فتقوى الشهوة وتحسن التمتع والتنعم والتلذذ ، فينبعث العقل إلى خاطر الخير ، ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلى الجهل ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر وقلة اكتراثها بالعواقب ، وهذا هو معاقبة القلب للنفس حين تكدره منها فيما انطلقت فيه بهواها ، وذلك يكون عند عود العبد من مواطن مطالبات النفس والإقبال على الذكر والمراقبة ، وعند دفع العقل في وجه الشهوة تميل النفس إلى نصح العقل وتضعف قوتها ، فيحمل الشيطان حملة على العقل فيقوى داعى الهوى ويقول ما هذا التحرج البارد والتكلف الذي لا معنى له ولم تمنع هواك فتؤذى نفسك وهل ترى أحدا من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه أفتترك لهم ملاذ الدنيا يتمتعون بها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروما شقيا متعوبا يضحك عليك أهل الزمان أتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان ، وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمتنعوا من التمتع بالملاذ ، أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك ولو كان ذلك شرا لا متنع عنها أتريد أن تكون أفضل منه ؟ فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه بمقتضى جبلتها الأصلية وتلقى نصح العقل إلى ورائها فيحمل الملك على الشيطان ويقول هل هلك إلا من اتبع لذة الحال في العاجل ونسي العاقبة ، أفتقنع بلذة يسيرة قريبة الزوال وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد لا تنقطع ، أم تستثقل ألم الصبر عن شهوة زائلة ولا تستثقل ألم النار التي من عذب بها لم يفلح ، أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم هواهم ومساعدتهم الشيطان مع أن عذاب النار لا يخفى عنك بمعصية غيرك ، أرأيت لو كنت في زمان صيف ووقف الناس كلهم في الشمس
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 405 | السيد احمد بن زيني دحلان