[ أجل الجواهر في القلب معرفة اللّه تعالى التي هي سعادة الدارين ]
وأجلّها معرفة اللّه تعالى التي هي سبب سعادة الدّارين ،
شرح
فكيف يكون من لا عقل له من أكثر أهل الجنة ؟ . والجواب عنه بوجوه : الأولّ أن المراد بالبله الجاهلون بأمر الدنيا العالمون بأمر الآخرة . الثاني أن من عبد اللّه للجنة فهو أبله في جنب من يعبده لكونه ربا مالكا . الثالث المراد بهم أهل المعاصي الذين عفا اللّه عنهم ، وأما العقلاء المطيعون فهم أهل الدرجات العلى ، واللّه أعلم .
قال المصنف رحمه اللّه تعالى ( وأجلها ) أي أعظم الجواهر في القلب ( معرفة اللّه تعالى التي هي سبب سعادة الدارين ) أي الدنيا والآخرة . قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : المعرفة على لسان العلماء هو العلم ؛ فكل علم معرفة ، وكل معرفة علم ، وكل عالم باللّه تعالى عارف ، وكل عارف عالم ، وعند هؤلاء الصوفية المعرفة صفة من عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته ثم صدق اللّه تعالى في معاملته ثم تنقى عن أخلاقه الرديئة وآفاته ثم طال بالباب وقوفه ودام بالقلب اعتكافه فحظى من اللّه تعالى بجميل إقباله وصدق اللّه تعالى في جميع أحواله وانقطع عنه هواجس نفسه ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره ، فإذا صار من الخلق أجنبيا ومن آفات نفسه بريا ومن الساكنات والملاحظات نقيا ، ودام في السر مع اللّه تعالى مناجاته وحق في كل لحظة إليه رجوعه وصار محدثا من قبل الحق سبحانه بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره يسمى عند ذلك عارفا ، وتسمى حالته معرفة ؛ وبالجملة فبمقدار أجنبيته عن نفسه تحصل معرفته بربه عزّ وجلّ .
وقد تكلم المشايخ في المعرفة فكل منهم نطق بما وقع له وأشار إلى ما وجده في وقته ؛ فقال الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه اللّه تعالى : من أمارات المعرفة باللّه حصول الهيبة من اللّه تعالى ، فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته . وقال أيضا : المعرفة توجب السكينة في القلب كما أن العلم يوجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته .
وقال الشبلي : ليس لعارف علاقة ، ولا لمحبّ شكوى ، ولا لعبد دعوى ، ولا لخائف قرار ، ولا لأحد من اللّه عز وجل فرار . وقد سئل عن المعرفة فقال : أولها اللّه تعالى وآخرها ما لا نهاية له . وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي : من كان باللّه أعرف كان له أخوف . وقال بعضهم : من عرف اللّه تعالى تبرم بالبقاء وضاقت عليه الدنيا بسعتها ، فقد حكى اللّه عن كعب بن مالك وأصحابه لما تخلفوا عن غزوة تبوك وهجروا إلى أن نزل فيهم قرآن أنهم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه ، وذلك لمعرفتهم باللّه وعظمته وعظمة رسوله وتخلفهم عن الجهاد مع رسوله ، فكل من عرف الجليل العظيم لا يحتمل قلبه الاشتغال بغيره ولا البعد عنه . وقيل من عرف اللّه تعالى صفا له العيش وطابت له الحياة وهابه كل شئ وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس باللّه تعالى . وقيل من عرف اللّه تعالى ذهب عنه رغبة الأشياء ، وكان بلا فعل ولا وصل . وقيل المعرفة توجب الحياء والتعظيم كما أن التوحيد يوجب الرضى والتسليم .
وقال الحسين بن منصور : إذا بلغ العبد إلى مقام المعرفة أوحى اللّه تعالى إليه بخواطره وحرس