شرح
فهو أبدا متيقظ من سقط الكلام ، لأن كلا يجتهد في الخصام ، فالمؤمن صاحب المثل . والضيعة :
الإيمان ، والخصماء : جميع الجوارح وكلها تريد إخراجه من إيمانه الذي يرجو به الثواب ، كذا ذكره العلامة ابن سعيد بابصيل رحمه اللّه رحمة واسعة . وقد ذكر العلامة الزبيدي تفصيل ما أورده مشايخ السادة النقشبندية قدس اللّه أرواحهم الزكية في هذا الباب فإنهم أحظى الناس بهذه المرابطة دون سائر أرباب السلوك ، فقال : اعلم أنهم قالوا إن المراقبة نسبة زكية وعبودة خفية ، فمن تحقق بها نور اللّه قلبه بنور المعرفة وشرح صدره بكشف الحقيقة ، فلم تخطىء فراسته ولم تبطىء مكاشفته وصح له التصريف في عالمي الملك والملكوت والتقريب في حضرة الجبروت وحسنت معاملته مع للّه تعالى في جميع الحالات وتمت له عمارة الأوقات ، ولكونها أعظم العبادات كانت خواص الصحابة يشتغلون بدوامها في سائر الحالات ، وهي من الطرق الموصلة إلى المشاهدات وهي على ثلاثة أنواع الأول استدامة العلم باطلاع الحق عليه في جميع الأحوال مع مراعاة الاتباع بجميع الأحكام .
الثاني مطالعة أثمار الأسماء والصفات والمسارعة إلى اللّه بالوصول بجميع العبادات . الثالث مكاشفة أسرار حقائق الأسماء والصفات ومشاهدة أنوار تجليات الذات ، وهذا النوع درجة ولاية الصغرى وهو ما يبلغه السالكون بالمراقبة ، وفي هذه المراقبة يحصل له مقام الفناء في الفناء وتنتفى الحالات وتثبت المقامات . وأما كيفية المراقبة فأن يكون السالك طاهر الظاهر والباطن والمكان حاضر القلب مع اللّه مرفوعا عن الوساوس والخيالات ، محفوظا عن سائر المشوشات يجلس مستقبل القبلة على ركبتيه غامض العينين متبرئا عن حوله وقوته ناسيا جميع علمه ومعرفته معطلا حواس ظاهره وقوى باطنه ثم يتوجه بالقلب المطلق مع الجذبة الإلهية إلى جناب ذات الحق على طريق الاستهلاك فيه حتى يزول عنه تزاحم الخواطر بالكلية وتغلب روحانيته على جسمانيته ولا ينفك عن هذه الحالة ، فإذا استقرت وكانت له كالصفة اللازمة أمكن له الاستقامة والتقرب بسائر الأعمال . وفي مقام المراقبة حالة أخرى تسمى عندهم بالوقوف القلبي ، وهو عبارة عن التوجه إلي حقيقة الروح الإنسانى من جهة القلب ، لأن الروح الإنساني محيطة بجميع ما في حضرة الربوبية إحاطة انطباعية مطابقة للوجوه في نفس الأمر ، فمن توجه إلى روحه من قلبه فقد ينكشف له ما في حضرة الربوبية من الأسرار فيصل بذلك إلى معرفة ربه بالمعرفة الشهودية ، لأن حقيقة الروح الإنسانى كالمرآة لتلك الحاضرة لما فيه من القوة العقلية التي هي جوهر إلهي ؛ فمن كشف ذلك الجوهر رأى فيه جميع صفات اللّه وأسمائه وذاته تعالى بالانطباح الظلي ورأى فيه أيضا جميع الموجودات العقلية والحسية .
وكيفية الاشتغال بالوقوف القلبي أن يجرد السالك أولا عقله من جميع الادركات ثم يعطل جميع فواه وحواسه عن أحكامها ثم يسلخ نفسه عن الهيكل الجسماني وبعد ذلك يتوجه بالبصيرة إلى حقيقة القلب على طريق الاستغراق والاستهلاك ويداوم علي ذلك فكلما يزداد توجهه إلي حقيقة القلب تزداد معرفته لنفسه وكلما تزداد معرفته لنفسه تزداد معرفته لربه سبحانه . والحاصل أنه لا بد في هذه الصورة من التجرد عن الذوات الجسمانية ولواحقها ، ونحو العلوم الرسمية وملازمة التوجه