شرح
تكن ، وإن في الحديث مراقبتين : مراقبة العبد للحق في القول الأوّل وعكسه في القول الثاني ، ومراقبة العبد للحق أصل كلّ خير وبركة ، ولا يكاد يصل إلى المراقبة إلا بعد فراغ المحاسبة لنفسه وهي التثبت قبل الفعل ليزنه بميزان الشرع ، فإذا حاسب نفسه على ما سلف وأصلح حاله في الوقت ولازم طريق الحق وأحسن ما بينه وبين اللّه تعالى مع مراعاة القلب وحفظ الأنفاس راقب اللّه تعالى في عموم أحواله فيعلم أنه عليه رقيب ومن قلبه قريب يعلم حاله ويرى فعله ويسمع قوله ، ومن تغافل عن ذلك فهو بمعزل عن بداية الوصلة به تعالى ، فكيف عن حقائق المرافبة له ؟ فمن لم يحكم بينه وبين اللّه التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة ، والمراد بالكشف والمشاهدة قلة الغفلة وارتفاع الحال ويكونان بإحكام ذلك . قيل من راقب اللّه تعالى في خواطره الواردة على قلبه عصمه اللّه في جوارحه ، لأن أول عامل من الإنسان قلبه والخواطر تدعو عمل القلب والجوارح ، فتارة تكون شيطانية ، وتارة نفسانية ، وتارة بواسطة ملك ، وتارة بلا واسطة بأن تخلق في قلب العبد ، فمن ثبت عند خواطره وعلم حكم ما دعت إليه ووزنه بالشرع ، وقبل ما ينبغي ونفى ما لا ينبغي سلم في عقود قلبه وأفعال جوارحه . وقال ابن عمر رضى اللّه عنهما لعبد يرعى غنما : تبيع منها ؟
فقال العبد ليست لي ، فقال قل لصاحبها أكله الذئب ، فقال العبد وأين اللّه ؟ فاشتراه والغنم من سيده وأعتقه ووهبها له . قال الجنيد : من تحقق أي ثبت في المراقبة خاف على فوت حظه من ربه لأنها على درجات ، فقد يراقب العبد أحكام ربه ليسلم من العقاب أو لزيادة الثواب أو ليرتفع عنه الحجاب أو ليكون من الأحباب ، فإذا وصل لهذا الحال الشريف راقب ربه وأدام نظره لما يتفضل به عليه ليسلم من الغفلات التي يفوت بسببها حظه من مولاه ، فمراقبته له بهذا التقدير خوفا من فوات حظه منه أفضل المراقبات ، وكان بعض المشايخ يخص بعض تلامذته بإقبال أكثر من غيره . فسئل عن ذلك فقال لهم ليأخذ كل واحد منكم طيرا وليذبحه حيث لا يراه أحد فذبح كل منهم طيره إلا ذاك فرجع به حيا وقال لم أجد موضعا لا يراني أحد فيه لأن اللّه يراني ، فقال الشيخ بهذا أخصه ، وفيه دلالة على أن مقام المراقبة أفضل المقامات وإن ارتفعت مقامات العابدين وقوى اجتهادهم لشغلهم بصلاح القلوب والأحوال ، والمراقب قد غلب على قلبه نظره إليه . وقال ذو النون : المراقبة إيثار ما أمر اللّه تعالى في تعظيم ما عظم وتصغير ما صغر ولا يتم ذلك إلا باستشعار نظر اللّه في حركاته وسكناته . قال الجنيد : من حسنت رعايته دامت ولايته . وقيل المراقبة :
تورث المحاسبة فاذكر نظر اللّه إليك واطلاعه عليك . وعلامة المراقب ما حكى أن أبا محمد الجريري جاور بمكة سنة فلم ينم ولم يتكلم ولم يستند لحائط ، وأن أبا بكر الكتاني جاور بها ثلاثين سنة تحت ميزاب الكعبة ليلا ونهارا شتاء وصيفا . وقال المحاسبي : حقيقة المراقبة مراقبة اللّه في الطاعة بالفعل وفي المعصية بالترك ، ومراقبته تعالى أشد تعبا من مكابدة قيام الليل وصيام النهار وإنفاق المال في سبيل اللّه ومن جميع العبادات البدنية . وقال ذو النون : تعلمت من الهر خصلتين : حسن السؤال ، وحسن المراقبة ، ومثل المراقب من له ضيعة وله خصماء فيها وكان يريد إخراجه منها ، فإن عجز عن إقامة حجته كان سببا لخروجه منها وهو لا يجد بدا منها لما فيها من كفاية مؤنته