شرح
والنبوة هو روح حبيب اللّه ونبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه الذي قال « أول ما خلق اللّه روحي وفي رواية نوري » فروحه جوهر نوراني ، ونوره هو العقل وهو عرض قائم بجوهره ، ومن هنا قال صلّى اللّه عليه وسلّم « كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد » أي لم يكن يعد روحا ولا جسدا ، ومن هنا قال : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » ، لأنه عرف نفسه بتعريف اللّه إذ قال له : « ما خلقت خلقا أحب إلى منك » . وعرف اللّه أيضا بتعريف اللّه نفسه إياه إذ قال : « وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلى منك » فعرف أنه الإله الذي من صفاته العزة والجلال والخالقية والمحبة وهو المعروف لكل عارف وله القدرة والحكم على الأخذ والعطاء والثواب والعقاب ، وهو المستحق للعبادة . وقد جاء عن بعض الكبراء من الأئمة : إن أول المخلوقات ملك كروبى يسمى العقل . وهو صاحب القلم بدليل توجه الخطاب إليه في قوله « أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر » ولما سماه قلما قال له أخبر بما هو كائن إلى يوم القيامة ، وتسميته قلما كتسمية صاحب السيف سيفا ، ولا يبعد أن يسمى روح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ملكا لغلبة صفة الملكية عليه كما يسمى جبريل عليه السّلام روحا لغلبة الروحانية عليه كقوله : فلان شعلة نار ، لحدة ذهنه ، ويسمى عقلا لوفور عقله ، وقلما لكتابة المكونات ونورا لنورانيته ؛ وقد يكون العقل في اللغة بمعنى العاقل ، فعلى هذا التقدير والتأويل يكون روح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو المخلوق الأول ، ولكنه بهذه الاعتبارات ملك وعقل ونور وقلم ، والقلم قريب المعنى من العقل قال تعالى« عَلَّمَ بِالْقَلَمِ »جاء في التفسير عن بعضهم :
أي بالعقل ؛ لأن الأشياء تعلم بالعقل ؛ وفي قوله أقبل إلى آخره إشارة إلا أن للعقل إقبالا وإدبارا فورث إقباله المقبلون وهم السابقون المقربون من الأنبياء والأولياء ، وهم أصحاب الميمنة وهم أهل الجنة ، وورث إدباره المدبرون ، وهم أصحاب المشأمة ، وهم أهل النار يدل عليه قوله تعالى« وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً »الآية ، واللّه أعلم .
( تنبيه ) اعلم أن من شأن العقل أن يرى ويختار أبدا الأفضل والأصلح في العواقب وإن كان على النفس في المبدأ مؤنة ومشقة ، والهوى على الضد من ذلك فإنه يؤثر ما يدفع به المؤذى في الوقت . وإن كان يعقبه مضرة من غير نظر منه في العواقب كالصبي الرمد الذي يؤثر أكل الحلوات واللعب في الشمس على أكل الهليلج والحجامة ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم « حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » وأيضا فإن العقل يرى صاحبه ماله وما عليه ، والهوى يريه ماله دون ما عليه ويعمى عليه ما يعقبه من المكروه ؛ ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم « حبك للشئ يعمى ويصم » ولذلك ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبدا في الأشياء التي هي له لا عليه ويظن أنه هوى لا عقل ويلزمه أن يستقصى النظر فيه قبل إمضاء العزيمة ، حتى قيل : إذا عرض لك أمران فلم تدر أيهما أصوب ؟ فعليك بما تكرهه لا بما تهواه فأكثر الخير في الكراهة . قال اللّه تعالى« وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ »وقال« وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاًوَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ». وأيضا فإن ما يرى العقل يتقوى عليه إذا فزع فيه إلى اللّه عز وجل بالاستخارة وتساعد عليه العقول الصحيحة إذا فزع إليها بالاستشارة ، وتنشرح له الصدور