تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
شرح
إلي حقيقة القلب على الدوام ليتم له الانجلاء الروحاني الغير المقيد بشئ من عوارض الأجسام فيرى حقيقة قلبه في تلك الحالة نورا بسيطا محتويا بجميع ما كان وما يكون . وصورة أخرى من الوقوف القلبي أن يتوجه السالك إلى دائرة قلبه بعد تجريده عن الشواغل ثم يلاحظ بدنه في وسط تلك الدائرة كالكرة ويخيل روحه نافذا من أقطار السماوات والأرض ويستغرق في تلك الملاحظة على الدوام ويرجع إليها كلما يذهل عنها إلى أن يفنى عن ملاحظة تلك الكرة المفروضة ويتعطل جميع قواه وحواسه عن أحكامها ، فعند حصول هذه الحالة يظهر له أن روحه نوراني محض ويستهلك جميع ما في ضمن السماوات والأرض في تلك النورانية حتى لا يبقى في الوجود في نظره غير روحه الذي هو الأمر الإلهى ، وبعد ذلك تستهلك نورانية الروح أيضا في نور الحق سبحانه ، لأن دائرة نور الروح متصلة بأفق نور الحق سبحانه ونور الحق غالب علي جميع الأنوار ، وجميع الأنوار متلاش عند ظهور نور الحق كتلاشى سائر الأضواء عند ظهور ضوء الشمس فحينئذ لا يبقى في الظهور إلا نوار الحق الذي هو الوجود المطلق جلت عظمته وهذا هو حقيقة الحقائق . وصورة أخرى من الوقوف القلبي أن يتوجه السالك إلى قلبه ثم يتصور روحه في قلبه نورا محضا بلا نهاية ويتصور في حق روحه النور إلى صورة بدنه وصور العالم كالطير في الهواء ويتصور روحه محيطا بتلك الصورة ، وتلك الصور محاطة بذلك الروح ، وهو ينظر إلى تلك الصور في جو الروح ويستغرق في النظر إليها حتى يتحد بتلك الصور في التصور ويزداد في الاتحاد بتلك الصور بالتشوق إليها حتى يتخيل أنه تلك الصور ويداوم على ذلك التصور بالتكرار فيه حتى يكون كأنه هو الحقيقة النوعية الكلية لجميع العالم التي لا نهاية ولا انقسام لها ، بل يكون وحدة صرفة بمجموع تلك الصور ، فمن جعل روحه متكيفا بهذه الكيفية عرف حقيقة روحه ، لأن حقائق العالم كلها منطوية في الروح الإنسانى والروح الإنسانى حاو عليها ، فمن عرف روحه بتلك الجمعية للحقائق كلها فقد عرف روحه ، وبه يتصل إلى معرفة ربه جل وعز . وصورة أخرى من الوقوف القلبي أن يتوجه إلى قلبه بعد تجريد نفسه ويتصور فيه نورا بسيطا وحدانيا مجردا عن الكيفيات كلها غير متعلق بشئ ظاهرا على العالم الجسماني كظهور الشمس على الجسمانيات بالنسبة إلى ذلك النور البسيط كالذرة في شعاع الشمس ، ثم يعلق نظره بذلك النور البسيط ويداوم على ذلك النظر لذلك النور البسيط حتى يستغرق في ذلك النظر بحيث لا يبقى له شعور لغير ذلك النظر ، فعند ذلك يتجلى له نور الحق سبحانه لأن جميع الأنوار المجردة ينتهى إلى نور الحق سبحانه . وصورة أخرى من الوقوف القلبي أن يتوجه إلى قلبه ويلاحظ فيه أن نظر اللّه محيط به من جميع الجهات ويجعل ذاته محاطة بنظر اللّه تعالى ويستمر على تلك الملاحظة وبهذا الاستمرار تصغر ذاته تحت نظر اللّه تعالى حتى لا يبقى لها بالتدريج أثر من الوجود فيفنى عن وجوده الإمكانى ولا يشاهد فيه ولا في الأشياء كلها إلا وجود الحق سبحانه وقد وصل .