( الأصل الرّابع ) أنّ القلب خزانة كلّ جوهر للعبد نفيس وكلّ معنى خطير أوّلها العقل ،
شرح
( تتمة ) قالوا المراقبة من أقرب الطرق إلى اللّه تعالى من حيث التقرب إليه ، وهذه الأقربية ليست على إطلاقها بالنسبة إلى أهل الجذبة فإنها أقرب الطرق في حقهم . وأما بالنسبة إلى السالك فتكون أبعد الطرق ، لأن السلوك يقتضى الرياضات والمجاهدات في أوائله فلا تنفعه المراقبة ابتداء وهذا موكول إلى فراسة الشيخ البصير العارف ، فإن رأى في مريده الجذبة الإلهية غالبة عليه شغله بمراقبة اسم الذات وإن رآه عاريا عنها أمره بالنفي والإثبات وملازمة الرياضات حتى يتمكن الذكر من قلبه فينجذب إلى اللّه تعالى بقلبه فحينئذ يشغله بالمراقبة ، وذلك على الترتيب والتدريج ، وقد قالوا إن اسم الذات ذكر المجردين عن قيد السوى ، والنفي والإثبات ذكر المقيدين بقيد السوى لأن مقام صاحب اسم الذات فرق مجرد كما أشار إليه قوله تعالى« قُلِ : اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ »الخ ، ومقام صاحب النفي والإثبات فرق مقيد كما أشار إليه الحديث « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه » فلكون اسم الذات من الأسماء الجبروتية والنفي والإثبات من الأسماء الملكية كان الوصول بذكر اسم الذات إلى عالم الجبروت لأهل الجذبة أقرب من الوصول إليه بذكر النفي والإثبات ، وحيث قد فرغنا من ذكر المراقبة ومتعلقاتها فلنعد إلى شرح كلام المصنف قال رحمه اللّه تعالى : ( الأصل الرابع ) من الأصول الخمسة ( أن القلب خزانة كل جوهر للعبد نفيس ، و ) خزانة ( كل معنى خطير ) أي شريف وعظيم ( أولها ) أي الجواهر المخزونة في قلب العبد ( العقل ) وهو مشترك لمعان مختلفة ذكرها المصنف رحمه اللّه تعالى في كتاب [ العلم من إحياء العلوم ] فانظر كلامه هناك تجد كلاما لا مزيد لحسنه ، ولكن المتعلق بهذا المقام من جملة تلك المعاني المذكورة معنيان : أحدهما أن العقل قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب . وقد ورد في أخبار داود عليه السّلام أنه سأل ابنه سليمان عليهما السّلام أين موضع العقل منك ؟ قال القلب لأنه قالب الروح والروح قالب الحياة . والثاني أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم فيكون هو القلب لأنه كذلك ، أعنى بالقلب هنا اللطيفة لا المضغة ، وقد يطلق ويراد به محل الإدراك أعنى المدرك ، وهو المراد بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « أول ما خلق اللّه العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال اللّه عز وجل وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم على منك بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب » . قال الشيخ نجم الدين راويه رحمه اللّه تعالى استدل به على أن العقل متهيئ لقبول الوحي والإيمان به ، وفي رواية : « وبك أعبد » إذ كان هو أول من اختص من اللّه بالوحي ، والخطاب والمحبة والمعرفة والعبادة والعبودية والنبوة بأنباء الحق تعالى إذ نبؤه عن نفسه ومعرفة ربه ، وإذا أمعنت النظر وأيدت بنور اللّه تحقق لك أن المعرفة بالعقل . والموصوف باختصاص الوحي والخطاب والمحبة والمعرفة والعبادة والعبودية