تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
واللّه المستعان . ( الأصل الثالث ) : أنّ القلب ملك مطاع ورئيس متّبع ، فالأعضاء كلّها تبع ، فإذا صلح المتبوع صلح التّبع ، وإذا استقام الملك استقامت الرّعيّة ، ويبيّن لك ذلك ما روى عن النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه ، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ، ألا وهي القلب » وإذا كان صلاح الكلّ في ذلك وجب صرف العناية إليه .
شرح
( واللّه المستعان ) أي المطلوب منه الإعانة . ( الأصل الثالث ) من الأصول الخمسة ( أن القلب ملك مطاع ورئيس متبع فالأعضاء كلها له ) أي القلب ( تبع فإذا صلح ) بفتح اللام وضمها والفتح أفصح وأشهر ( المتبوع صلح التبع ) بفتح التاء والباء جمع التابع يكون واحدا وجمعا ويجمع على أتباع كسبب وأسباب ( وإذا استقام الملك استقامت الرعية ، ويبين لك ذلك ) أي تبعية الأعضاء للقلب ( ما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : إن في الجسد مضغة ) أي قطعة لحم قدر ما يمضغ في الفم تقريبا لكنها وإن صغرت في الصورة عظمت في الرتبة ( إذا صلحت ) أي بالإيمان والعلم والعرفان . وقال العلامة عبد الحق معناه انشرحت بالهداية ( صلح ) بها ( الجسد كله ) بالأعمال والإخلاص والأحوال ( وإذا فسدت ) تلك المضغة بالجحود والكفران والضلالة ( فسد ) بها ( الجسد كله ) بالفجور والعصيان والمنكرات ( ألا ) حرف تنبيه ( وهي القلب ) لأنه مبدأ الحركات البدنية والإرادات النفسانية ، فإن صدرت عند إرادة صالحة تحرّك البدن حركه صالحة ، أو فاسدة ففاسدة فهو ملك والأعضاء رعية وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير ( وإذا كان صلاح الكل ) أي جميع الأعضاء وفساده ( في ذلك ) أي في صلاح القلب وفساده ( وجب ) على سالك طريق الآخرة ( صرف العناية ) أي القصد ( إليه ) أي إلى إصلاح القلب ، وصلاح القلب يكون بملازمة المراقبة للّه سبحانه وتعالى في جميع الحركات والسكنات واللحظات والخطرات . وهي لغة دوام ملاحظة المقصود . واصطلاحا دوام النظر بالقلب إليه تعالى وترقب ما يبدو من أفعاله وأحكامه ، ويعبر عنه باشتشعارك نظر اللّه إليك في حركاتك وسكناتك ، وسببها معرفة اللّه بصفاته ، ومعرفة وعده ووعيده وأحكامه . وثمرتها حسن الأدب والسلامة من شديد الحساب والتحلي بحلية الأولياء ذوى الألباب وهي ممدوحة ومطلوبة . قال تعالى« وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ،إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً »أي فراقبوه ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث جبريل « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » فأشار بقوله فإن لم تكن الخ إلى حالة المراقبة من العبد ، لأن ابتداءها علم العبد باطلاع الربّ سبحانه وتعالى عليه فاستدامته لهذا العلم مراقبة لربه . وقيل أشار بقوله : أن تعبد اللّه كأنك تراه لا بقوله فإن لم