شرح
[ خاتمة ] نسأل اللّه حسن الختام . يتعين عليك معرفة علاج الغيبة ، وهو إما إجمالى بأن تعلم أنك قد تعرضت بها لسخط اللّه تعالى وعقوبته كما دلت عليه الآية والأخبار ، وأيضا فهي تحبط حسناتك فاحذر أن تكون سببا لفناء حسناتك وزيادة سيئاتك فتكون من أهل النار ، وقد ورد في الخبر « ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد » ومن ثم قال رجل للحسن البصري : بلغني أنك تغتابني ؛ فقال ما بلغ من قدرك عندي أنى أحكمك في حسناتي ، ومما ينفعك أيضا أنك تتدبّر في عيوبك وتجتهد في الطهارة منها لتدخل تحت قوله عليه الصلاة والسّلام « طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس » وتستحيي من أن تذم غيرك بما أنت متلبس به أو بنظيره ، فإن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق ، إذ من ذم صنعة ذم صانعها ، وأن تعلم أن تأذى غيرك بالغيبة كتأذيك بها فكيف ترضى لغيرك ما تتأذى به . وإما تفصيلي بأن تنظر في باعثها فتقطعه من أصله ، إذ علاج العلة إنما يكون بقطع سببها ، ويجب على المغتاب أن يبادر إلى التوبة بشروطها المقررة في بابها . قال أبو الليث السمرقندي : قد تكلم العلماء في توبة المغتاب هل تجوز من غير أن يستحل من صاحبه . قال بعضهم : يجوز . وقال بعضهم : لا يجوز ما لم يستحل من صاحبه ، وهو عندنا علي وجهين إن كان ذلك القول قد بلغ إلى الذي اغتابه فتوبته أن يستحل منه وإن لم يبلغ فليستغفر اللّه تعالى ويضمر أن لا يعود إلى مثله . وروى أن رجلا أتى ابن سيرين فقال : إني اغتبتك فاجعلني في حل ، فقال وكيف أحل ما حرم اللّه فكأنه أشار إليه بالاستغفار والتوبة إلى اللّه تعالى مع استحلاله منه ، فإن لم تبلغ إلى صاحبه تلك الغيبة فتوبته أن يستغفر اللّه تعالى ويتوب إليه ولا يخبر صاحبه فهو أحسن لكيلا يشتغل قلبه به ، والأصح كما قال العلامة بابصيل : أنه لا بد من الاستحلال ، وزعم بعضهم أن العرض لا عوض له فلا يجب الاستحلال منه بخلاف المال مردود بأنه وجب في العرض حق حد القذف ، وفي الحديث الصحيح « الأمر بالاستحلال من المظالم قبل يوم لا درهم فيه ولا دينار ، وإنما هي حسنات الظالم تؤخذ للمظلوم وسيئات المظلوم تطرح على الظالم » فتعين الاستحلال ، نعم الغائب والميت ينبغي أن يكثر لهما من الاستغفار والدعاء ، ويندب لمن سئل في التحليل : وهو العفو أن يحلل ولا يلزمه لأن ذلك تبرع منه وفضل ، وكان جمع من السلف يمتنعون من التحليل ، ولو أنه قال بهتانا لم يكن ذلك فيه فإنه يحتاج إلى التوبة في ثلاثة مواضع : أحدها أن يرجع إلى القوم الذين تكلم بالبهتان عندهم ويقول إني قد ذكرت عندكم فلانا بكذا وكذا فاعلموا أنى كاذب في ذلك . والثاني أن يذهب إلى الذي قال عليه البهتان ، ويطلب منه أن يجعله في حل . والثالث أن يستغفر اللّه تعالى ويتوب إليه فليس شئ من الذنوب أعظم من البهتان فإن سائر الذنوب تحتاج إلى توبة واحدة . وفي البهتان يحتاج إلى التوبة في ثلاثة مواضع ، وقد قرن اللّه تعالى البهتان بالكفر ، فقال تعالى« فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ »ويقال لا تكون الغيبة إلا في قوم معلومين حتى لو ذكر أهل مصر من الأمصار ؛ فقال هم بخلاء أو قوم سوء لا يكون غيبة لأن فيهم البر والفاجر وعلم أنه لم يرد به الجميع والكف عن ذلك أفضل ،