ولقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ : « اقطع لسانك عن حملة القرآن وطلّاب العلم ، ولا تمزّق النّاس بلسانك فتمزّقك كلاب النّار » .
شرح
ابن مهدي ، حدثنا عبد القدوس أبو المغيرة ، حدثنا صفوان بن عمرو السكسكي ، حدثني راشد ابن سعد وعبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم » وقال أبو هريرة رضى اللّه عنه : « من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه لحمه في الآخرة ، فقيل له كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله فيضج ويكلح : أي يعبس وجهه » رواه بن أبي الدنيا هكذا موقوفا ( ولقد قال ) رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ ) هو بالذال المعجمة أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي الخيثمى المدني الفقيه الفاضل الصالح أسلم معاذ وهو ابن ثمان عشرة سنة ، وشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار ، ثم شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وآخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بينه وبين عبد اللّه بن مسعود ، وروى له عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مائة حديث وسبعة وخمسون حديثا اتفق البخاري ومسلم على حديثين ، وانفرد البخاري بثلاث ، ومسلم بحديث . روى عنه ابن عمر وابن عباس وابن عمرو ابن العاصي وأبو قتادة وجابر وأنس وأبو ثعلبة وعبد الرحمن بن سمرة وآخرون من الصحابة رضى اللّه عنهم وخلائق من التابعين ، توفى في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان عشرة ، وقيل سبع عشرة . والصحيح الأول ، وقبره في مشاق غورسيان ، وعمواس التي نسب إليها الطاعون بين الرملة وبيت المقدس نسب الطاعون إليها ، لأنه بدأ منها وهو بفتح العين والميم ، وتوفى شهيدا في الطاعون وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وقيل أربع وثلاثين ، وقيل ثمان وثلاثين . وعن جابر ابن عبد اللّه قال : كان معاذ من أحسن الناس وجها وخلقا وأسمحهم كفا ، ولما وقع الطاعون بالشام قال معاذ : اللهم أدخل على آل معاذ نصيبهم من هذا ، فطعنت له امرأتان فماتتا ، ثم طعن ابنه عبد الرحمن فمات ، ثم طعن معاذ فجعل يغشى عليه فإذا أفاق قال : رب عمنى غمك فو عزتك إنك لتعلم أنى أحبك ثم يغشى عليه ، فإذا أفاق قال مثله ؛ ولما حضرته الوفاة قال : مرحبا بالموت مرحبا زائرا حبيب جاء على فاقة ، اللهم إنك تعلم أنى أخافك وأنا اليوم أرجوك أنى لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار ولا لغرس الأشجار ، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر ، وأحوال معاذ كثيرة ومناقبه غير محصورة رضى اللّه عنه ( اقطع لسانك عن ) الوقيعة في إخوانك من ( حملة القرآن ) يعنى من حفظ مبانيه وعرف معانيه وعمل بأوامره ونواهيه ( وطلاب العلم ) أي والناس عامة ( ولا تمزق الناس بلسانك ) أي لا تطعن في عرضهم ولا تغتب ولا تشتم ( فتمزقك ) أي تشققك ( كلاب النار ) أي