شرح
والأولى هو الصواب . وقد قال عليه الصلاة والسّلام « من سمع : أي أسمع يهوديا أو نصرانيا ما يؤذيه فله النار » ولا كلام بعد هذا لظهور دلالته على الحرمة . وأما الحربي فليس بمحرم على الأولى ، ويكره على الثانية والثالثة . وأما المبتدع فإن كفر فكالحربى وإلا فكالمسلم ، وأما ذكره ببدعته فليس مكروها .
( الثاني ) قد يتوهم من حد الغيبة أنها تختص باللسان وليس كذلك إذ علة التحريم الإيذاء وهذا موجود حيث أفهمت الغير ما يكرهه المغتاب ولو بتعريض وفعل وإشارة وإيماء وغمز ورمز وكتابة بلا خلاف كما قاله النووي ، وكذا سائر ما يتوصل به إلى فهم المقصود كأن يمشي مشيته ، بل هو أعظم كما قاله الغزالي لأنه أبلغ من التصريح والتفهيم وأنكى للقلب ، والغيبة بالقلب هي أن تظن به السوء وتصمم عليه بقلبك من غير أن تستند في ذلك إلى مسوغ شرعي فهذا هو الذي يتعين أن يكون مرادهم بالغيبة بالقلب ، وأما مجرد الحكاية عن مبهم لمخاطبك لكنه معين عندك فليس فيه ذلك الاعتقاد والتصميم فافترقا ، ثم رأيته صرح به في الإحياء .
ومن أخبث أنواع الغيبة ما يقع لبعض المرائين من أن يذكر عنده غيره ، فيقول : الحمد للّه الذي ما ابتلانا بقلة الحياء أو بالدخول على السلاطين ، وليس قصده بدعائه إلا أن يفهم عيب ذلك الغير ، وقد يزيد خبثه فيقدم مدحه حتى يظهر تنصله في الغيبة فيقول كان فلان مجتهدا في العبادة أو العلم لكنه فتر وابتلى بما ابتلينا به كلنا ، وهو قلة الصبر فيذكر نفسه ومقصوده ذم غيره والتمدح بالتشبه بالصالحين في ذم نفوسهم فيجمع بين ثلاث فواحش : الغيبة ، والرياء ، وتزكية النفس ، بل أربعة لأنه يظن بجهله أنه مع ذلك من الصالحين المتعففين عن الغيبة ، ومنشأ ذلك الجهل ، فإن من تعبد على جهل لعب به الشيطان وضحك عليه وسخر به فأحبط عمله وضيع تعبه وأرداه إلى دركات البوار والضلال ، ومن ذلك أن يقول : ساءنى ما وقع لصديقنا من كذا ، فنسأل اللّه أن يعافيه وهو كاذب وما درى الجاهل أن اللّه مطلع على خبث ضميره وأنه قد تعرض بذلك لمقت اللّه أعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا به ، ومن ذلك الإصغاء للمغتاب على جهة التعجب ليزداد نشاطه واسترساله في الغيبة وما درى الجاهل أن التصديق بالغيبة غيبة بل الساكت عليها شريك المغتاب ، كما في خبر « المستمع أحد المغتابين » فلا يخرج عن الشركة إلا إن أنكر بلسانه ولو بأن يخوض في كلام آخر فإن عجز فبقلبه ، ويلزمه مفارقة المجلس إلا لضرورة ولا ينفعه أن يقول بلسانه أو يشير بنحو يده اسكت وقلبه مشته لاستمراره فيها . وفي الحديث « من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله اللّه يوم القيامة على رؤوس الخلائق » .
( الثالث ) البواعث على الغيبة كثيرة ، وهي : عامة وخاصة ، فالعامة إما تشفى الغيظ بذكر مساوى من أغضبه ، وقد لا يشفيه ذلك فيحقن الغضب في باطنه ويصير حقدا ثابتا ، فيكون سيئا دائما ، فالحقد والغضب من البواعث العظيمة علي الغيبة ، وأما موافقة الإخوان ومجاملتهم بالاسترسال معهم بما هم فيه أو إبداء نظير ما أبدوه خشية أنه لو سكت وأنكر استثقلوه ونفروا عنه ويظن لجهله أن هذا من المجاملة في الصحبة ، بل وقد يغضب لغضبه إظهارا للجاهلية في السراء والضراء