تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
شرح
ذكره أبو القاسم القشيري في الرسالة . قال حجة الإسلام مصنفنا الغزالي وغيره : اعلم أن حدّ الغيبة على ما ذكره العلماء أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه ، وسواء بلغه أو لم يبلغه سواء ذكرت مما يكرهه نقصانا في بدنه أو في نسبه أو في خلقه بالضمّ أو في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه حتى في ثوبه الذي يلبسه وفي داره التي يسكنها ودابته التي يركبها . أما البدن فكذكرك العمش والحول والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان ، وأما النسب فبأن تقول أبوه نبطي : أي ممن يخدم الأرض بالحراثة أو هندى ، هذا إذا كان يكره الاعتزاء إلى أحد هذين أو فاسق أو خسيس أو إسكاف أو زبال أو شئ مما يكرهه كيفما كان ؛ فالمناط هو الكراهة ، وأما من يعتاد شيئا من ذلك فخرا له ، فلا يكون إطلاق مثله على اللسان غيبة له ، وأما الخلق فبأن تقول هو سيىء الخلق إما في المعاملة أو في المحاورة ، بخيل بماله متكبر على إخوانه ، مراء شديد الغضب في أحواله ؛ جبان بارد الهمة ، عاجز في كثير من أموره ضعيف القلب لا جرءة له متهور : أي مفرط في الشجاعة حتى يرمى نفسه في النار وما يجرى مجراه وأما في أفعاله المتعلقة بالدين فكقولك : هو سارق أو مختلس أو كذاب أو شارب خمر أو خائن أو ظالم أو متهاون بالصلاة وبالطهارة أو بالزكاة ، فيؤخر الصلاة عن وقتها ويشتغل بغيرها ، ولا يعطي زكاة ماله أو تقول هو لا يحسن الركوع والسجود في صلاته أولا يحترز عن النجاسات أوليس بارا بوالديه أو بأحدهما أو لا يضع الزكاة في مواضعها أو لا يحسن قسمتها أو لا يحرس صومه من الرفث : وهو الكلام القبيح ، ومن الغيبة والتعرض لأعراض الناس بالاستطالة فيها ، وأما فعله المتعلق بالدنيا فكقولك : إنه قليل الأدب يتهاون بالناس ويسخر بهم ولا يرى لأحد حقا على نفسه ويرى لنفسه حقا عليهم أو أنه كثير الكلام كثير الأكل أو أنه كثير النوم وينام في غير وقته ويجلس في غير موضعه ، وأما في ثوبه فكقولك . إنه واسع الكم طويل الذيل يجره إلى الأرض ، وسخ الثياب دنس الجيب ونحو ذلك مما يكرهه ؛ وقد قال قوم لا غيبة في الدين ولو كان المغتاب يكره ذلك لأنه ذم ما ذمه اللّه تعالى فذكره بالمعاصي ، وذمه بها يجوز زجرا له ، بدليل ما روى « أنه ذكرت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم امرأة وكثرة صلاتها وصومها ولكنها تؤذى جيرانها بلسانها ، فقال هي في النار ، وذكرت عنده امرأة أخرى بأنها بخيلة ، فقال فما خيرها إذا ؟ » قال حجة الإسلام : وهذا فاسد لأنهم كانوا يذكرون ذلك لحاجتهم إلى تعرف الأحكام الشرعية بالسؤال والبحث ، ولم يكن غرضهم من سياق قول من الأقوال التنقص ولا الهضم للجانب ، ولا يحتاج إليه في غير مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والدليل عليه إجماع الأمة على أن من ذكر غيره من ورائه بما يكرهه فهو مغتاب لأنه داخل فيما ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حد الغيبة كما ذكر من الأخبار . قال العلامة الزبيدي : وفيما ذكره الغزالي بحث ، لأن الصحابة كانوا عارفين بأن أذى الجار والبخل من الصفات الذميمة ، وقد يقال إن هذا : أي المذكور من الأخبار عام ، وقد خص منها أحكام فلا حجة فيه ولا إلزام فتأمل .