والغيبة : هي الصّاعقة المهلكة للطّاعات على ما قيل : إنّ مثل من يغتاب النّاس مثل من نصب منجنيقا فهو يرمي به حسناته شرقا وغربا يمينا وشمالا .
شرح
غريب الإسناد والمتن وفي الزهد لابن المبارك ومن جهته ابن أبي الدنيا في الصمت من طريق شفى الأصبحى قال : ومن كثر كلامه كثرت خطيئته ، هكذا حققه الزبيدي ( والغيبة ) بكسر الغين هي تناول العرض بما يكره ، وقد نص اللّه سبحانه على ذمها في كتابه وشبه صاحبها بآكل لحم الميتة ، فقال تعالى« وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ »وقال عليه الصلاة والسّلام « كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه » . وقال أبو هريرة رضى اللّه عنه : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا يغتب بعضكم بعضا ، وكونوا عباد اللّه إخوانا » . وعن جابر بن عبد اللّه وأبي سعيد الخدري رضى اللّه عنهما قالا :
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إياكم والغيبة فان الغيبة أشد من الزنا ، فان الرجل قد يزنى ويتوب فيتوب اللّه سبحانه عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه » ، ولهذا حكى أن رجلا اغتاب ابن الجلاء فأرسل يستحله فأبى وقال ليس في صحيفتي حسنة أحسن منها فكيف أمحوها . وعن أبي هريرة رضى اللّه عنه « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : أتدرون ما الغيبة ؟
قالوا اللّه ورسوله أعلم . قال : إذا ذكرت أخاك بما يكره فقد اغتبته . قيل أرأيت إن كان ما في أخي ما أقول ؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته » يعنى قلت فيه بهتانا . وعن أبي سعيد الخدري رضى اللّه عنه « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال ليلة أسرى بي إلى السماء مررت بقوم يقطع اللحم من جنوبهم ثم يلقمونه ثم يقال لهم كلوا ما كنتم تأكلون من لحم أخيكم ، فقلت يا جبريل من هؤلاء ؟ قال هؤلاء من أمتك الهمازون اللمازون » . قال أبو الليث يعنى المغتابين . وعن مجاهد بن جبر المكي قال في قوله تعالي« وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ »الهمزة الطعان في الناس ، واللمزة : الذي يأكل لحوم الناس . وقال قتادة بن دعامة البصري : ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاث أثلاث : ثلث من الغيبة ، وثلث من البول ، وثلث من النميمة . وقال الحسن البصري : واللّه للغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكلة في الجسد . قال بعضهم : أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ؛ ولكن في الكف عن أعراض الناس . وسمع علىّ ابن الحسين رضى اللّه عنهما رجلا يغتاب آخر ، فقال له إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس . وقال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : عليكم بذكر اللّه فإنه شفاء ، وإياكم وذكر الناس فإنه داء . والأخبار والآثار في ذمّ الغيبة أكثر من أن تحصى وفيما ذكرناه كفاية ، نسأل اللّه حسن التوفيق لطاعته .
وبالجملة إن الغيبة ( هي الصاعقة ) قطعة من النار ( للهلكة للطاعات على ما قيل : إن مثل من يغتاب الناس مثل من نصب منجنيقا ) وهي آلة ترمى بها الحجارة مؤنثة وقد تذكر كما في سراج السالكين ( فهو ) أي المغتاب ( يرمى به ) أي بالمنجنيق ( حسناته ) أي المغتاب ( شرقا وغربا يمينا وشمالا ) يغتاب واحدا خراسانيا ، وآخر حجازيا ، وآخر تركيا فيفرق حسناته ويقوم ولا شئ معه ، هكذا