تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وأطلعني بفضله على أسرار ذلك وألهمني فيه ترتيبا عجيبا لم أذكره في المصنّفات الّتى تقدّمت في أسرار معاملات الدّين ، وهو الّذى أنا له واصف فأقول ، وباللّه التّوفيق : إنّ أوّل ما ينبّه العبد للعبادة ويتجرّد لسلوك طريقها بخطرة سماويّة من اللّه وتوفيق خاصّ إلهىّ ، وهو المعنىّ بقوله سبحانه :
شرح
وحقيقته إظهار الافتقار إليه ، والبراءة من الحول والقوة التي له ، وهو بسمة العبودية ، وإظهار الدعاء الذلة البشرية ، وفيه معنى الثناء على اللّه تعالى ، وإضافة الجود والكرم إليه اه . قال : والمضطر هو الملجأ بضم الميم وسكون اللام : أي الذي اشتدت حاجته ، وتبرأ من الحول والقوة فلا غياث له إلا مولاه . واعلم أن المضطر أخص من الفقير ، لأن الفقير معناه المحتاج سواء كان مختارا أم لا ، بخلاف المضطر فهو الفقير الذي ليس بمختار كما قاله العلامة يوسف السفطى ، وفيه أن العبد وإن علت منزلته فهو دائم الاضطرار تعطيه حقيقة العبد إذ هو ممكن ، وكل ممكن مضطر إلى ممد يمده ، وكما أن الحق تعالى هو الغنى المطلق ، فالعبد مضطر إليه أبدا ، ومن اتسعت أنواره لم يتوقف اضطراره وقد عتب اللّه قوما اضطروا إليه عند وجود أسباب ألجأتهم إلى الاضطرار ، فلما زالت زال اضطرارهم ( وأطلعنى ) أي أعلمني ( بفضله ) أي بمحض إحسانه ، إذ لا يجب لأحد عليه تعالى شئ خلافا لزعم المعتزلة وجوب الأصلح عليه تعالى عن ذلك ، وللّه در اللقانى :وقولهم إن الصلاح واجب * عليه زور ما عليه واجب( على أسرار ذلك ) أي خفيات المعاني في ذلك التصنيف ( وألهمني فيه ) أي وفقني ولقننى في التصنيف من الالهام ، وهو إلقاء الخير في القلب بطريق الفيض لا الاكتساب . قال في القاموس : ألهمه اللّه لقنه إياه : أي ألقاه في قلبه ( ترتيبا عجيبا ) منه ، ومقصوده رحمة اللّه الاستحسان والاخبار عن رضاه به كما يعلم من المصباح ( لم أذكره في المصنفات التي تقدّمت في أسرار معاملات الدين ) من إحياء العلوم وغيره ( وهو ) أي الكتاب المصنف على هذا الترتيب العجيب ( الذي أنا له واصف ) بقولنا هذا ( فأقول وباللّه التوفيق ) والمستعان ، وقدم الجار والمجرور للاهتمام . قال العلامة العدوي : قدمه للحصر : أي وليس التوفيق إلا باللّه اه . وفيه بحث لأن الحصر لا يخاطب به إلا من عنده إنكار ، فيلقى عليه الكلام حينئذ ليزول ما عنده ، ومعلوم أن المخاطب بهذا ليس منكرا إلا أن يقال : إن هذا منكر على سبيل الفرض والتقدير كما أفاده العلامة السفطى فتأمل ( إن أول ما ينبه العبد ) أي ما يستيقظه من سنة الغفلة إلى عز التيقظ ( للعبادة ) . قال في التعريفات هل فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه ؟ وقد مر بيان ذلك ( ويتجرد لسلوك طريقها بخطرة سماوية من اللّه وتوفيق خاص إلهىّ وهو المعنىّ ) أي المراد ( بقوله سبحانه ) هو