والأصل الثّانى : حفظ وقتك فإنّ أكثر ما يتكلّم به الإنسان من غير ذكر اللّه تعالى فعلى الأقلّ يكون لغوا يضيع الوقت به .
شرح
كيف قلب الناس الأمر في ذلك ، فأمسكوا فضل المال وأطلقوا فضل اللسان . وقال ابن مسعود أنذرتكم فضول الكلام بحسب أحدكم من الكلام ما بلغ حاجته . وقال إبراهيم بن يزيد التيمي :
المؤمن إذا أراد أن يتكلم نظر ، فإن كان كلامه له تكلم ، وإن كان عليه أمسك عنه ، والفاجر إنما كلامه رسلا رسلا : أي كثيرا يتبع بعضه بعضا . وقال الحسن البصري : من كثر كلامه كثر كذبه ، ومن كثر ماله كثرت ذنوبه ، ومن ساء خلقه عذب نفسه . وقال عمرو بن دينار :
« تكلم رجل عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأكثر ، فقال له كم دون لسانك من حجاب : فقال شفتاي وأسنانى ، قال أفما كان لك في ذلك ما يرد كلامك ؟ » وفي رواية أنه قال ذلك في رجل أثنى عليه فاستهتر ؛ أي بالغ وأطال في الكلام ، ثم قال : ما أوتى رجل شرا من فضل في لسانه . وقال عمر بن عبد العزيز : إنه ليمنعنى من كثير من الكلام خوف المباهاة ، وقال بعض الحكماء . إذا كان الرجل في مجلس فأعجبه الحديث فليسكت ، وإن كان ساكتا فأعجبه السكوت فليتكلم .
وقال يزيد بن أبي حبيب : من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع وإن وجد من يكفيه ، فإن في الاستماع سلامة وزيادة في العلم ، والمستمع شريك المتكلم في الكلام إلا من عصم اللّه ، وفي الكلام ترفق وتزين وزيادة ونقصان ، وقال ابن عمران : أحق ما طهر الرجل لسانه ، ورأى أبو الدرداء امرأة سليطة اللسان فقال : لو كانت هذه خرساء كان خيرا لها . وقال إبراهيم النخعي يهلك الناس خلتان : فضول المال ، وفضول الكلام ، فهذه مذمة فضول الكلام وكثرته ، واللّه الموفق . ( والأصل الثاني ) من الأصول الخمسة ( حفظ وقتك فإن أكثر ما يتكلم به الإنسان من غير ذكر اللّه تعالى ) وتلاوة كتابه ( فعلى الأقل يكون ) أي أكثر الكلام ( لغوا ) وباطلا ( يضيع الوقت به ) أي بالكلام اللغو ، فيكون الإنسان قد خسر حيث فاته الربح العظيم بذكر اللّه تعالي ، فإن المؤمن لا يكون صمته إلا فكرا ، ونظره إلا عبرة ، ونطقه إلا ذكرا ، هكذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل رأس مال الإنسان أوقاته ، ومهما صرفها إلى مالا يعنيه ولم يدخر بها ثوابا في الآخرة فقد ضيع رأس ماله وخسر خسرانا مبينا ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه » بل ورد ما هو أشد من هذا . قال أنس بن مالك « استشهد غلام منا يوم أحد فوجدنا على بطنه حجرا مربوطا من الجوع فمسحت أمه عن وجهه التراب وقالت هنيئا لك الجنة يا بنى ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع مالا يضره » .
قال العراقي : رواه الترمذي . وفي حديث آخر « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقد كعب بن عجرة فسأل عنه فقالوا مريض فخرج يمشى حتى أتاه عائدا له ، فلما دخل عليه قال أبشر يا كعب ، فقالت أمه هنيئا لك الجنة يا كعب ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : من هذه المتألية على اللّه ؟ قال كعب : هي أمي