أنّ ابن آدم إذا أصبح بكرت الأعضاء كلّها إلى اللّسان وقلن له ننشدك أن تستقيم فإنّك إن استقمت استقمنا وإن اعوجحت اعوججنا . قلت : والمعنى فيه ( واللّه أعلم ) أنّ نطق اللّسان يؤثّر في أعضاء الإنسان بالتّوفيق والخذلان . يؤكّد هذا المعنى ما حكى عن مالك بن دينار أنّه قال : إذا رأيت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك وحرمانا في رزقك ، فاعلم أنّك قد تكّلمت فيما لا يعنيك .
شرح
وزيد بن ثابت وأبو قتادة وعبد اللّه بن سلام وأبوه مالك بن سنان ، وروى عنه جماعة من الصحابة منهم عبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عباس وجابر بن عبد اللّه وغيرهم رضى اللّه تعالى عنهم أجمعين وروى عنه خلائق من التابعين : منهم بن المسيب وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن بن عوف وعامر بن سعد وعطاء بن يزيد وعطاء بن يسار وعبيد بن حنين بنونين ونافع وخلائق . وكان رضى اللّه عنه من فقهاء الصحابة وفضلائلهم البارعين ، ومناقبه كثيرة ، توفى المدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين ، وقيل سنة أربع وسبعين ، ودفن بالبقيع ( أن ابن آدم إذا أصبح ) أي دخل في الصباح ( بكرت ) أي أسرعت ( الأعضاء ) جمع عضو بالضم وبالكسر لغة : كل عضو وافر بلحمه ( كلها ) بالرفع تأكيد ( إلى اللسان وقلن ) أي الأعضاء ( له ) أي اللسان ( ننشدك اللّه ) أي نسألك باللّه ( أن تستقيم فإنك إن استقمت ) أي اعتدلت ( استقمنا ) أي اعتدلنا تبعا لك ( وإن اعوججت ) أي ملت عن طريق الاعتدال والهدى ( اعوججنا ) أي ملنا عنه اقتداء بك ، قال الطيبي : وهذا لا تناقض بينه وبين خبر « إن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله » الحديث ، لأن اللسان ترجمان القلب وخليفته في ظاهر البدن ، فإذا أسند إليه الأمر فهو مجاز في الحكم ، وهذا الحديث رواه الترمذي في الزهد وابن خزيمة في صحيحه ، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري بلفظ « إذا أصبح ابن آدم فان الأعضاء كلها تكفر اللسان ، فتقول : اتق اللّه فينا فإنما نحن بك ، فان استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا » : ( قلت والمعنى فيه ) أي هذا الحديث المروى عن أبي سعيد ( واللّه أعلم ) جملة معترضة ( أن نطق اللسان يؤثر في أعضاء الانسان بالتوفيق ) على الطاعة ( والخذلان ) ضد التوفيق ، فهو خلق القدرة على المعصية والداعية إليها ، أو خلق المعصية ( يؤكد ) أي يقوى ( هذا المعنى ) الذي ذكرناه ( ما حكى عن مالك بن دينار ) هو أبو يحيى البصري رضى اللّه عنه ، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة ( أنه قال : إذا رأيت قساوة في قلبك ، ووهنا ) أي ضعفا ( في بدنك ، وحرمانا ) أي حجابا ومنعا ( في رزقك فاعلم أنك قد تكلمت فيما لا يعنيك ) من فضول الكلام .
واعلم أن فضول الكلام لا ينحصر بضبط ، بل المهم محصور في كتاب اللّه تعالى . قال اللّه عز وجل« لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ » .وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه ، وأنفق الفضل من ماله » فانظر وتأمل