تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١

[ الفصل الثالث في الكلام على اللسان وآفاته وبيان حفظه ]

ويعدل بقلبه عن تذكّرها ويستعيذ باللّه من شرّها . ولا يأمن أن يحمله على بليّة ويحرّكه حتّى يقع آخر الأمر في آفة عظيمة بسبب ذلك . ولو كنت حفظت سمعك عمّا لا يعنيك كنت عن هذه المؤن مستريحا فلينظر العاقل في ذلك وباللّه التّوفيق . ( الفصل الثالث اللسان ) ثمّ عليك بحفظ اللّسان وضبطه وتقييده فإنّه أشدّ الأعضاء جماحا وطغيانا وأكثرها فسادا وعدوانا .
شرح
عن الخواطر والوساوس ( و ) أن ( يعدل ) أي الإنسان بفتح الياء وكسر الدال من باب جلس : أي يميل وينصرف ( بقلبه عن تذكرها ، و ) أن ( يستعيذ باللّه من شرها ) أي الخواطر والوساوس ( ولا يأمن ) الإنسان من ( أن يحمله ) ذلك الكلام الردىء ( على بلية ويحركه ) أي يحرك الكلام الإنسان على تلك البلية ( حتى يقع آخر الأمر في آفة عظيمة بسبب ذلك ) الكلام القبيح : أي سماعه ( ولو كنت حفظت سمعك عما لا يعنيك ) كما هو المطلوب منك ( كنت عن هذه المؤن ) أي المشقات ( مستريحا ، فلينظر العاقل ) بقلبه ( في ذلك ) الذي ذكرناه من مطلوبية حفظ الأذن عن السماع فيما لا يعنيه وفائدة حفظها وبلية تركه ( وباللّه ) تعالى لا بغيره ( التوفيق ) إلى مرضاته وفهم حكمه وأسراره . ( الفصل الثالث ) من الفصول الخمسة ( اللسان ) أي في بيان حفظه وتقييده وغير ذلك . اعلم أن اللسان من نعم اللّه العظيمة ، ولطائف صنعه الغريبة ، فهو صغير جرمه عظيم طاعته وإثمه ، إذ لا يتبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان وهما غاية الطاعة والعصيان ؛ ثم إنه ما من موجود ومعلوم ، خالق أو مخلوق ، متخيل أو معلوم ، مظنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفى ، فإن كلّ ما يتناوله العلم يعبر عنه اللسان إما بحق أو باطل ، ولا شئ إلا والعلم متناول له ولا يخرج إلى الوجود إلا بواسطة تعبير اللسان ، وهذه خاصة خصة اللّه بها لا توجد في سائر الأعضاء ، فاللسان حينئذ رحب الميدان ليس له مردود ، ولا لمحاله منتهى وحدّ لسعة متعلقاته ، له في الخير مجال رحب ، وفي الشر ذيل سحب ، فمن أطلق عذبة اللسان ، وأهمله مرخى العنان ، سلك به الشيطان في كل ميدان ، وساقه إلي شفا جرف هار إلى أن يضطره ويلجئه إلى البوار ، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع ، ولا يطلقه إلا فيما ينفعه إما في الدنيا حالا أو في الآخرة مآلا ، ويمنعه عن كل ما يخشى غائلته في عاجلته وآجلته ، ولذلك قال المصنف رحمه اللّه ( ثم عليك بحفظ اللسان وضبطه وتقييده فإنه ) أي اللسان ( أشد الأعضاء جماحا وطغيانا وأكثرها ) أي الأعضاء ( فسادا وعدوانا ) وظلما فإنه لا تعب في إطلاق اللسان ولا مؤنة في تحريكه ، وقد