تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
والثّانى أنّ ذلك يهيّج الخواطر والوساوس في القلب ثمّ من ذلك يبدو الاشتغال في البدن فما يبقى للعبادة شئ . ثمّ اعلم أنّ الكلام الّذى يقع في قلب الإنسان وسمعه بمنزلة الطّعام الّذى يقع في جوفه فمنه الضّارّ ومنه النّافع ، ومنه الغذاء ومنه السّمّ بل إنّ بقاء الكلام وتجرّعه أكثر وأبلغ من الطّعام ، فإنّ الطّعام يزول عن المعدة بنوم وغيره وربّما يبقى أثره زمانا ثمّ يزول وله دواء يزيل أثره من جسم الإنسان ، وأمّا الكلام الّذى وقع في قلبه فربّما يبقى معه جميع عمره ولا ينساه ، فإن كان رديئا فلا يزال يتعبه ويعيبه وترد بسببه خواطر في القلب ووساوس يحتاج إلى أن يعرض عنها ،
شرح
ذلك من المفارقة وهم مستمرون في الغيبة ونحوها وجب عليه المفارقة ، وروى عن إبراهيم بن أدهم أنه دعى إلى وليمة فحضر فذكروا رجلا لم يأتهم ، فقالوا إنه ثقيل ، فقال إبراهيم : أنا قد فعلت هذا بنفسي حيث حضرت موضعا يغتاب فيه الناس ، فخرج ولم يأكل ثلاثة أيام . ( والثاني ) من الأمرين ( أن ذلك ) أي سماع الفحش والفضول ( يهيج ) أي يحرك ( الخواطر والوساوس في القلب ثم من ذلك ) أي من هيجان الخواطر والوساوس واضطرابهما في القلب ( يبدو ) أي يظهر ( الاشتغال في البدن فما يبقى للعبادة شئ ) وإن وجدت تلك العبادة فلا تحصل لذلك لذة وحلاوة أصلا ( ثم اعلم أن الكلام الذي يقع في قلب الإنسان وسمعه ) أي آذنه ( بمنزلة الطعام الذي يقع في جوفه ) أي بطنه ( فمنه ) أي الطعام ( الضار ومنه النافع ومنه الغذاء ) والقوة ( ومنه السم ) القاتل ( بل إن بقاء الكلام ) في القلب ( وتجرعه ) أي كظم غصص الكلام فيه ( أكثر وأبلغ ) أي أشد ( من الطعام فان الطعام يزول عن المعدة ) وهي مقر الطعام والشراب وتخفف بكسر الميم وسكون العين ، وجمعت على معد ، مثل سدرة وسدر كما في المصباح ( بنوم وغيره ) كالدواء المزيل لذلك الطعام ( وربما يبقي أثره ) أي الطعام ( زمانا ) طويلا ( ثم يزول ) ذلك الأثر ( وله ) أي للطعام ( دواء يزيل أثره من جسم الإنسان ، وأما الكلام الذي وقع في قلبه ) أي الإنسان ( فربما يبقى ) أي الكلام فلا يزول ( معه ) أي الإنسان ( جميع عمره ولا ينساه ) أي الإنسان ذلك الكلام الواقع في قلبه ( فإن كان ) أي الكلام الواقع فيه ( رديئا ) خسيسا ( فلا يزال ) أي الكلام ( يتعبه ) بضم الياء وكسر العين من الإتعاب : أي يوقعه في التعب والمشقة ( ويعيبه ) أي يوقعه في العيب وفي نسخة يعنته : أي يوقعه في العنت بمعنى المشقة كما في سراج السالكين وعلى هذا فهو مرادف لسابقه ( وترد ) أي تحضر وتجيء ( بسببه ) أي الكلام الردىء والخسيس ( خواطر في القلب ووساوس يحتاج ) الإنسان ( إلى أن يعرض ) بضم الياء وكسر الراء : أي يصدّ ( عنها ) أي