وذلك لأمرين : أحدهما لما روى أنّ المستمع شريك المتكلم ، وفي ذلك يقول القائل :
تحرّ من الطّرق أوساطها * وعدّ عن الجانب المشتبه
وسمعك صن عن سماع القبيح * كصون اللّسان عن النّطق به
فإنّك عند استماع القبيح * شريك لقائله فانتبه
شرح
الأذن لك لتسمع بها كلام اللّه تعالى وسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحكمة أوليائه ، وتتوصل باستفادة العلم إلى الملك المقيم والنعيم الدائم في جوار رب العالمين ، فإذا أصغيت بها إلى شئ من المكاره صار ما كان نافعا لك ضارا عليك ، وانقلب ما كان سبب فوزك بالثواب سبب هلاكك بحصول العقاب إن لم تتب ، وهذا غاية الخسران ( وذلك ) أي لزوم صيانة السمع عن الفحش والفضول ( لأمرين : أحدهما ) لقوله تعالى« سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ »فقد سوّى اللّه تعالى في هذه الآية بين المستمع وآكل السحت ، فهذا دليل على أن ما حرم قوله حرم الإصغاء اليه ، لأن إصغاءه حينئذ يكون دليلا على رضاه المحرم . وقوله تعالى« لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ » ،فالسكوت على الغيبة حرام ، والساكت يشارك المغتاب في الإثم . وقوله تعالى« فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ »أي في الإثم ، و ( لما روى أن المستمع شريك المتكلم ) أي في الإثم . قال العراقي : غريب ، وللطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف « نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة » . قال الزبيدي : رواه في الكبير وكذا الخطيب في التاريخ بلفظ « نهى عن الغناء وعن الاستماع إلى الغناء ، وعن الغيبة والاستماع إلى الغيبة ، وعن النميمة والاستماع إلى النميمة » : قال الهيتمي في سندهما . فرات بن السائب وهو متروك ، وذكره العلامة عبد الرؤوف المناوي في كنوز الحقائق عن الغزالي بلفظ « المغتاب والمستمع شريكان في الإثم » . ( وفي ذلك ) أي في كون المستمع شريك القائل في الإثم وهو أحد المغتابين ( يقول القائل ) من بحر المتقارب ( تحرّ ) أي اطلب واجتهد ( من الطرق أوساطها . وعد ) أي تجاوز ( عن الجانب المشتبه ، وسمعك ) بالنصب ( صن ) أي احفظ ( عن سماع القبيح . كصون اللسان عن النطق به ) أي بذلك القبيح ( فإنك عند استماع القبيح . شريك لقائله ) في الإثم والحرمة ( فانتبه ) بكسر الهاء للضرورة : أي فانتبه وتيقظ من نوم الغفلة . قال النووي : ولا بد من كراهة نحو الغيبة بقلبه إن خاف ضررا ظاهرا في نهيه باليد أو باللسان ، ومتى اضطر إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه نحو الغيبة وعجز عن الإنكار أو أنكر فلم يقبل منه ولم يمكنه المفارقة بطريق حرم عليه الاستماع والإصغاء له : بل طريقه أن يذكر اللّه تعالى بلسانه وقلبه أو بقلبه أو يفكر في أمر آخر ليشتغل عن استماعها ، ولا يضره بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء في هذه الحالة ، فإن تمكن بعد