وقال ذو النّون : نعم حاجب الشّهوات غضّ الأبصار ، ولقد أحسن القائل :
وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الّذى لا كلّه أنت قادر * عليه ولا عن بعضه أنت صابر
فاذن
شرح
لا يكون إلا مع الاستحسان وتألم في نفسه لأنه قصد الالتذاذ فقد فعل ما آلمه فلا يخلو في كلتا حالتيه عن معصية وعن تألم وعن تحسر ، ومهما حفظ العين بهذا الطريق اندفع عن قلبه كثير من الآفات ، فإن أخطأت عينه وحفظ الفرج مع التمكن والتيسر ، فذلك يستدعى غاية القوة ونهاية التوفيق من اللّه تعالى . فقد روى أبو نعيم في الحلية عن أبي بكر بن عبد اللّه المزنى أن قصابا أولع بجارية لبعض جيرانه فأرسلها أهلها في حاجة لهم إلى قرية أخرى فتبعها وراودها عن نفسها فقالت له لا تفعل لأنا أشد حبالك منى ولكن أخاف اللّه تعالى . قال القصاب وأنت تخافينه وأنا لا أخافه ؟ قال : فرجع تائبا فأصابه العطش حتى كاد ينقطع عنقه ، فإذا هو برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل فسأله فقال مالك ؟ قال : العطش قال تعال حتى ندعو اللّه بأن تظلنا سحابة حتى ندخل القرية . قال القصاب : ما لي من عمل صالح فادع أنت قال : فأنا أدعو وأمن أنت :
أي قل آمين على دعائي ، فدعا الرسول وأمن هو فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية ، فأخذ القصاب إلى مكانه فمالت السحابة معه . فقال له الرسول زعمت أن ليس لك عمل صالح وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت فأظلتنا سحابة ثم تبعتك دونى ، لتخبرني بأمرك فأخبره بما جرى له مع الجارية ، فقال الرسول : إن التائب عند اللّه تعالى بمكان ليس أحد من الناس بمكانه ( وقال ) أبو الفيض ( ذو النون ) المصري واسمه ثوبان بن إبراهيم . وقيل اسمه الفيض بن إبراهيم ، توفى سنة خمس وأربعين ومائتين فائق هذا الشأن وأوحد وقته علما وورعا وحالا وأدبا ، وهو معدود في جملة من روى الموطأ عن الإمام مالك رضى اللّه تعالى عنه . قال القشيري : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد اللّه بن شاذان يقول : سمعت يوسف بن الحسين يقول حضرت مجلس ذي النون يوما وجاءه سالم المغربي ، فقال له يا أبا الفيض ما كان سبب توبتك ؟ قال : عجب لا تطيقه قال بمعبودك إلا أخبرتني ، فقال ذو النون أردت الخروج من مصر إلى بعض القرى فنمت في الطريق في بعض الصحارى ، ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض ، فانشقت الأرض فخرج منها سكرجتان : إحداهما ذهب والأخرى فضة وفي إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا فقلت حسبي قد تبت ، ولزمت الباب إلى أن قبلنى اللّه عز وجل ( نعم حاجب الشهوات غض الأبصار ولقد أحسن القائل ) من بحر الطويل ( وأنت إذا أرسلت طرفك ) بسكون الراء : أي عينك ( رائدا ) أي طالبا ( لقلبك يوما ) من الأيام ( أتعبتك المناظر . رأيت الذي ) اشتهيته ( لا كله ) أي جميع الذي رأيته من المشتهيات ( أنت قادر * عليه ) أي على كله ( ولا عن ) تناول ( بعضه ) أي الذي رأيته ( أنت صابر . فإذن ) أي حين إذ علمت ما قاله عيسى عليه السّلام من أن النظرة