تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
كما ينغل الأديم في الدّباغ فلا ينتفع به أبدا وإن كان مباحا ، فربّما يشتغل قلبك به فجاءك الوساوس والخواطر يسببه ولعلّك لا تصل إليه فتبقى مشغول القلب منقطعا عن الخير ، وإن كنت لم تر ذلك كنت مستريحا عن ذلك كلّه . وفي هذا المعنى ذكر عن عيسى صلوات اللّه عليه : « إيّاكم والنّظرة فإنّها تزرع في القلب الشّهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة »
شرح
كما ينغل الأديم ) وهو الجلد قبل أن يدبغ ( في الدباغ فلا ينتفع به ) أي بقلبه ( أبدا ) هكذا ذكره المصنف هنا ، وذكره في الإحياء بلفظ : قال بعض السلف : إن العبد ليأكل أكلة فينقلب قلبه فينغل كما ينغل الأديم فلا يعود إلي حاله أبدا ولم يذكر إسناده ( وإن كان ) ما رأيته بعينك ( مباحا فربما يشتغل قلبك به ) أي بالمباح ( فجاءك الوساوس والخواطر بسببه ) أي المباح أي رؤيته ( ولعلك لا تصل إليه ) أي إلى تناول ما رأيته من المباح لمانع من الموانع ( فتبقى مشغول القلب ) بالفكر في ذلك ( منقطعا عن الخير ) هذا شؤم عدم حفظ العين المسمى بزناها ، وزنا العين كما قاله حجة الإسلام وغيره هو من كبار الصغائر وهي تؤدى على القرب إلى الكبيرة الفاحشة وهي زنا الفرج ، وأول خطايا الفرج شهوة القلب بمسامرة الفكر وهو معفو ، كما أن النظر الأول معفو ، والخطيئة الثانية إنعاظ الفرج عن شهوة القلب فهذا عمل ، فإن ظهرت الشهوة من الفرج فهي معصية ، ومن لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ دينه ، لأن أصل البلاء كله من النظر ( وإن كنت لم تر ذلك ) المذكور من المباح وغيره مما لا ينفعك ( كنت مستريحا عن ذلك ) الذي ذكر من الوساوس والخواطر ( كله ، وفي هذا المعنى ) الذي ذكرناه ( ذكر عن عيسى ) ابن مريم هو عبد اللّه ورسوله وكلمته وروح منه ( صلوات اللّه عليه : إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة وكفى بها ) أي النظرة ( لصاحبها فتنة ) هكذا ذكره في الإحياء . وأخرج أبو نعيم في الحلية . فقال حدثنا أبو بكر بن مالك ، حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا معتمر عن إسحاق بن سويد عن العلاء بن زياد قال « لا تتبع بصرك رداء المرأة فإن النظر يجعل في القلب شهوة » . وقال سعيد بن جبير : إنما جاءت الفتنة لدواد عليه السّلام من قبل النظرة ولذلك قال لابنه سليمان عليهما السّلام : يا بنى امش خلف الأسد والأسود ولا تمش خلف المرأة . وقيل ليحيى بن زكريا عليهما السّلام ما بدء الزنا ؟ قال : النظر والتمني ؛ فالنظر من العين ، والتمني من القلب ، والفرج يصدق أو يكذب . وقال الفضيل بن عياض : يقول إبليس هي قوسي القويمة التي أرمي بها وسهمى الذي لا يخطئ في إصابة غرضى : يعنى النظرة ، وقلما يخلو الإنسان في ترداده عن وقوع البصر على النساء والصبيان فمهما يخيل إليه الحسن تقاضى الطبع المعاودة . وعنده ينبغي أن يقرر في نفسه أن هذه المعاودة عين الجهل فإنه إن حقق النظر فاستحسن ثارت النفس بالشهوة وعجز عن الوصول إلي المطلوب فلا يحصل له إلا التحسر وإن استقبح لم يلتذ ، لأن الاستلذاذ