( وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ) .
واعلم أنّى تأمّلت هذه الآية فإذا فيها مع قصرها ثلاثة معان عزيزة : تأديب وتنبيه وتهديد . فأمّا التّأديب فقوله تعالى :
( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ )
ولا بدّ للعبد من امتثال أمر السّيّد والتّأدّب بآدابه ، وإلّا فيكون سيّئ الأدب فيحجب فلا يؤذن له في حضور المجلس والمثول بالحضرة فافهم هذه النّكتة وتأمّل ما تحتها فإنّ فيها ما فيها . وأمّا التّنبيه فقوله تعالى :
( ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ )
شرح
عما لا يحلّ النظر إليه ، قيل معناه يغضوا أبصارهم فمن زائدة ، وقيل من للتبعيض لأنه لا يجب الغض عما يحل إليه النظر وإنما أمروا أن يغضوا عما لا يحلّ النظر إليه كما فسره الخازن ( ويحفظوا فروجهم ) أي عما لا يحل . قال أبو العالية : كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه . فإن قلت كيف أدخل من على غض البصر دون حفظ الفرج ، قلت : فيه دلالة على أن أمر النظر أوسع ، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وثديهن وأعضادهن وأقدامهن ، وكذلك الجواري المستعرضات في البيع ، والأجنبية يجوز النظر إلى وجهها وكفيها للحاجة إلى ذلك . وأما أمر الفروج فمضيق وكفاك أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه ، وحظر الجماع إلا ما استثنى منه . فان قلت كيف قدم غض البصر على حفظ الفرج . قلت لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوة فيه أشد ولا يكاد أحد يقدر على الاحتراس منه ( ذلك ) أي غض البصر وحفظ الفرج ( أزكى لهم ) أي أنفع لهم وأطهر لما فيه من البعد عن الريبة كما في البيضاوي ( إن اللّه خبير بما يصنعون ) لا يخفي عليه إجالة أبصارهم واستعمال سائر حواسهم وتحريك جوارحهم وما يقصدون بها فليكونوا على حذر منه في كل حركة وسكون . ( واعلم أنى تأملت ) وتدبرت ( هذه الآية فإذا فيها ) أي الآية ( مع قصرها ثلاثة معان عزيزة ) : أحدها ( تأديب ، و ) ثانيها ( تنبيه ، و ) ثالثها ( تهديد ) أي تخويف ( فأما التأديب فقوله تعالى :قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) وهذا أمر ( ولا بد للعبد من امتثال أمر السيد و ) من ( التأديب بآدابه ) أي السيد والتخلق بأخلاقه ( وإلا ) أي إن لم يمتثل أمر السيد ولم يتأدب بآدابه ( فيكون سيىء الأدب فيحجب ) بالبناء للمفعول : أي يحجب المسىء عن حضرة ربه ( فلا يؤذن له ) أي المسىء الأدب ( في حضور المجلس و ) في ( المثول ) أي القيام ( بالحضرة ) أي حضرة سيده ( فافهم هذه النكتة ) النادرة ( وتأمل ما تحتها فإن فيها ) أي هذه النكتة ( ما فيها ) أي ما في النكتة ، وهذا إشارة إلى سريان الأثر من الأعضاء الظاهرة إلى الباطن والقلب كما يكون سريان الأثر من الباطن والقلب إلي الأعضاء الظاهرة كصفرة الوجل وحمرة الخجل في الوجه ، كذا في سراج السالكين ، تأمل ( وأما التنبيه ، فقوله تعالى :ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ