والحساب والتّعيير واللوم ؛ فمن أتى بالأولى فهو في الدّرجة الدّنيا من التّقوى ، وهي منزلة مستقيمى الطّاعة ، ومن أتى بالأخرى فهو في الدّرجة العليا من التّقوى ، وذلك منزلة مستقيمى ترك المباح ، فإذا جمع العبد بينهما أعنى اجتناب كلّ معصية وفضول . فقد استكمل معنى التّقوى وقام بحقّها وجمع كلّ خير فيها ، وهذا هو الورع الكامل الّذى هو ملاك أمر الدّين ، وذلك منزلة الأدب على باب اللّه تعالى ، فهذا معنى التّقوى وبيانها في الجملة فافهمه موفّقا إن شاء اللّه تعالى .
فإن قلت : ففصّل لنا الآن هذا المعنى في النّفس واستعماله فيها ، فإنّ الحاجة جاءت من هنالك لنعلم كيف نلجم هذه النّفس بهذا المعنى الّذى فصّلت من حقيقة التّقوى .
فأقول : أجل إنّما تفصيله في أمر هذه النّفس أن تقوم عليها بقوّة العزم فتمنعها عن كلّ معصية وتصونها عن كلّ
شرح
( والحساب والتعيير ) أي إظهار العيب ( واللوم ) أي العذل والذم ( فمن أتى بالأولي ) أي تقوى فرض ( فهو في الدرجة الدنيا ) أي الدنيئة ( من التقوى ، وهي ) أي هذه الدرجة ( منزلة ) أي رتبة ( مستقيمى الطاعة ، ومن أتى بالأخرى ) وهي تقوى خير وأدب ( فهو في الدرجة العليا من التقوى وذلك ) أي ما فعله من الدرجة العليا ( منزلة مستقيمي ترك المباح ، فإذا جمع العبد بينهما ) أي الدرجتين ( أعنى ) بهما ( اجتناب كل معصية و ) اجتناب كل ( فضول فقد استكمل ) أي العبد ( معنى التقوى ) وحقيقتها ( وقام بحقها ) أي التقوى ( وجمع ) أي العبد ( كل خير فيها ) أي في تلك التقوى ( وهذا هو ) أي جمع العبد بين الرتبتين ( الورع الكامل الذي هو ملاك أمر الدين ) أي أصله وأساسه ( وذلك ) أي الورع الكامل ( منزلة الأدب على باب اللّه تعالى ، فهذا ) الذي ذكرناه من الحد الجامع على موضوع علم السر ( معنى التقوى وبيانها في الجملة ) من غير تفصيل كثير ( فافهمه ) أي هذا المعنى ( موفقا إن شاء اللّه . فإن قلت ففصل ) أي بين أنت ( لنا الآن ) أي بعد ذكر الحد المذكور ( هذا المعنى ) أي معنى التقوى ( في النفس واستعماله ) أي هذا المعنى ( فيها ) أي النفس ( فإن الحاجة جاءت من هنالك ) أي النفس ( لتعلم كيف نلجم ) أي نقيد ( هذه النفس بهذا المعنى الذي فصلت ) أي بينت ( من حقيقة التقوى . فأقول أجل ) أي نعم فصلت وبينت . وفي المختار : أجل جواب مثل نعم . قال الأخفش : هو أحسن من نعم في التصديق ونعم أحسن منه في الاستفهام ( إنما تفصيله ) أي معنى التقوى ( في أمر هذه النفس أن تقوم عليها ) أي النفس ( بقوة العزم فتمنعها عن كل معصية وتصونها ) أي تحفظها ( عن كل