تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠

[ من أراد أن يأمن الضرر في أمر دينه اجتنب الخطر وامتنع عن فضول الحلال حذرا أن يجره إلى محض الحرام ]

فأحببت أن أجمع بين ما قاله علماؤنا رحمهم اللّه . وبين ما جاء في الخبر عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون حدّا جامعا ومعنى بالغا . فأقول : التّقوى : هو اجتناب كلّ ما تخاف منه ضررا في دينك ، ألا ترى أنّه يقال للمريض المحتمى إنّه يتّقى إذا اجتنب كلّ شئ يضرّه في بدنه : من طعام أو شراب أو فاكهة أو غيرها . ثمّ الّذى يخاف منه الضّرّ في أمر الدّين قسمان : محض الحرام والمعصية . وفضول الحلال ، لأنّ الاشتغال بفضول الحلال والانهماك فيه يستجرّ صاحبه إلى الحرام ومحض العصيان ، وذلك لشره النّفس وطغيانها وتمرّد الهوى وعصيانه ، فمن أراد أن يأمن الضّرر في أمر دينه اجتنب الخطر ،
شرح
العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس » ويسمى هذا ورع المتقين ؛ وهو الدرجة الثالثة من درجات الورع . قال عمر : كنا ندع تسعة أعشار الحلال خوف الوقوع في الحرام ( فأحببت أن أجمع بين ما قاله علماؤنا رحمهم اللّه ) وهو أن التقوى تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق عنك مثله حتى تحصل لك من قوة العزم على تركه وقاية بينك وبين المعاصي ( وبين ما جاء في الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) وهو ما مر آنفا ( فيكون ) أي مجموع الدليلين ( حدا جامعا ) للمحدود ( ومعنى بالغا ) أي كاملا ( فأقول : التقوى هو اجتناب كل ما تخاف منه ضررا في دينك : ألا ترى أنه ) أي الشأن ( يقال للمريض المحتمى ) أي الممتنع عما يضره ( إنه ) أي المريض ( يتقى ) وذلك ( إذا اجتنب كل شئ يضره ) أي المريض ( في بدنه من طعام أو شراب أو فاكهة أو غيرها ) من المشتهيات ( ثم ) الأمر ( الذي يخاف ) بالبناء للمفعول ( منه في أمر الدين قسمان ) الأول ( محض الحرام ) أي خالصه ، وهو ما نص أو أجمع على تحريمه بعينه أو جنسه أو على أن فيه عقوبة أو وعيدا ، ثم التحريم إما لمفسدة أو مضرة خفية كالربا ومذكى المجوس أو واضحة كالسم والحمر ( و ) محض ( المعصية . و ) الثاني ( فضول الحلال ) وذلك ( لأن الاشتغال بفضول الحلال و ) أن ( الانهماك ) أي الدخول ( فيه ) أي فضول الحلال . وفي المختار انهمك الرجل في الأمر : أي جد ، ولج : بمعني دخل ( يستجر ) أي الاشتغال بالفضول والانهماك فيه ( صاحبه إلى ) محض ( الحرام ومحض العصيان ، وذلك ) أي علة طلب الجر لصاحبه ( لشره النفس ) أي شدة حرصها . والشره : غلبة الحرص ، وقد شره من باب طرب فهو شره كما أفاده المختار ( وطغيانها ) أي تجاوزها الحد ( وتمرد الهوى ) أي طغيانه وعتوه ( وعصيانه ) أي الهوى ( فمن أراد أن يأمن الضرر في أمر دينه اجتنب ) أي مريد الأمان ( الحظر ) أي الحرام