تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
ويقال لذلك التّنزيه والعزم والتّوطين تقوى . والتّقوى في القرآن تطلق على ثلاثة أشياء : أحدها : بمعنى الخشية والهيبة ، قال اللّه تعالى :
( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ )
وقال اللّه تعالى :
( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) .
والثّانى : بمعنى الطّاعة والعبادة ، قال اللّه تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) .
شرح
ويقال لذلك التنزيه والعزم والتوطين : تقوى . والتقوى في القرآن تطلق على ثلاثة أشياء : أحدها بمعنى الخشية والهيبة . قال اللّه تعالى وإياي فاتقون ) أي دون غيرى . ( وقال اللّه تعالى :وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ) بالبناء للمفعول تردون ، وللفاعل تصيرون ( فيه ) أي في ذلك اليوم ( إلى اللّه ) هو يوم القيامة . ( والثاني ) أن التقوى ( بمعنى الطاعة والعبادة . قال اللّه تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) أي حق تقواه ، وما يجب منها وهو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب والاجتناب عن المحارم ، كقوله« فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ »كما فسره البيضاوي . قال مقاتل بن حبان : كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال ، فلما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة أصلح بينهم ، فافتخر بعد ذلك منهم رجلان : وهما ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج ، فقال الأوس منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ومنا حنظلة غسيل الملائكة ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمى الدير ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له : أي لموته ، ورضى اللّه بحكمه في بني قريظة . وقال الخزرجي : منا أربعة أحكموا القرآن : أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ، ومنا سعد بن عبادة : خطيب الأنصار ورئيسهم ، فجرى الحديث بينهما ، فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا ، فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح ، فأتاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأصلح بينهم ، فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ». قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : هو أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى . وقال مجاهد هو أن يجاهدوا في اللّه حق جهاده ، ولا تأخذكم في اللّه لومة لائم ، وتقوموا للّه بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم . وعن أنس قال « لا يتقى اللّه عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه » . وقيل حق تقاته ، يعنى واجب تقواه : وهو القيام بالمواجب واجتناب المحارم . واختلف العلماء في هذا القدر من هذه الآية هل هو منسوخ أم لا ؟ على قولين : أحدهما أنه منسوخ ، وذلك أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وقالوا يا رسول اللّه ومن يقوى على هذا ؟ فأنزل اللّه تعالى الناسخ وهو قوله تعالى في سورة التغابن« فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » :وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد والسدى رضى اللّه عنهم . والقول الثاني : أنها محكمة غير منسوخة ، وهو رواية عن ابن عباس أيضا ، وبها قال طاوس . وموجب هذا الاختلاف يرجع إلى معنى الآية ، فمن قال إنها منسوخة قال : حق تقاته هو أن يأتي