تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
حتّى تعمل بما تعلم ، فإنّ الشّأن كلّه في ذلك ، واللّه ولىّ التّوفيق والهداية بفضله . فنقول : اعلم أوّلا بارك اللّه في دينك ، وزاد في يقينك : أنّ التّقوى في قول شيوخنا رحمهم اللّه هو تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق عنك مثله حتّى تحصل لك من قوّة العزم على تركها وقاية بينك وبين المعاصي ، هكذا قال شيخنا رحمه اللّه .
شرح
حتى تعمل بما تعلم ، فإن الشأن ) أي شأن العبادة ( كله في ذلك ) المذكور من الخصلة التي هي التقوى ( واللّه ولى التوفيق والهداية بفضله ) وإحسانه ( فنقول : اعلم أولا بارك اللّه في دينك وزاد في يقينك ) جملة دعائية ( أن التقوى ) معمول اعلم ( في قول شيوخنا ) من الطائفة الصوفية ( رحمهم اللّه هو تنزيه القلب ) وتطهيره ( عن ذنب لم يسبق ) بكسر الباء من باب ضرب ( عنك مثله ) أي الذنب ( حتى تحصل لك من قوة العزم على تركها ) أي الذنوب ( وقاية ) بالرفع فاعل تحصل : أي صيانة ( بينك وبين المعاصي هكذا ) أي مثل ما قالوا ( قال شيخنا ) أبو بكر الوراق ( رحمه اللّه ) . وقال النصراباذى : التقوى أن يتقى العبد ما سواه تعالي . وقال سهل : من أراد أن تصح له التقوى فليترك الذنوب كلها ، وقال أبو عبد اللّه الروذباري : التقوى مجانبة ما يبعدك عن اللّه . وقال ذو النون المصري : التقى من لا يدنس ظاهره بالمعارضات ولا باطنه بالعلالات ، ويكون واقفا مع اللّه موقف الاتفاق . وكان ابن عطاء يقول : للتقوى ظاهر وباطن ، فظاهره محافظة الحدود ، وباطنه النية والإخلاص . وقال ذو النون :فلا عيش إلا مع رجال قلوبهم * تحن إلي التقوى وترتاح إلى الذكر سكون إلى روح اليقين وطيبه * كما سكن الطفل الرضيع إلى الحجروقيل يستدل على تقوى الرجل بثلاث : حسن التوكل فيما لم ينل ، وحسن الرضا فيما قد نال ، وحسن الصبر على ما قد فات . وقال طلق بن حبيب : التقوى عمل بطاعة اللّه على نور من اللّه مخافة عقاب اللّه . وقال علي بن أحمد الجيزى : التقوى لغة اجتناب الشخص ما يضره في دينه ودنياه . وفي اصطلاح الشرع : امتثال الأوامر واجتناب النواهي ، وقد تخص باجتناب الشبهات . انتهى ، وتكاليف الشرع لا تخرج عن ذلك كما قاله بعض المحققين . وقال أبو حفص : التقوى بالحلال المحض لا غير . وقال الواسطي : التقوى أن يتقى من تقواه يعنى من رؤية تقواه ، والمتقى مثل ابن سيرين اشترى أربعين نحيا سمنا فأخرج غلامه فأرة من نحى ، فسأله من أي نحي أخرجتها ؟ فقال لا أدرى فصبها كلها ، ومثل أبى يزيد اشترى بهمذان حب القرطم ففضل منه شئ ، فلما رجع إلى بسطام رأى فيه نملتين ، فرجع إلى همذان فوضع النملتين . ويحكي أن أبا حنيفة كان لا يجلس في ظل شجرة غريمه ، ويقول في الخبر « كل قرض جر نفعا فهو ربا » وقيل : إن أبا يزيد غسل ثوبه في الصحراء مع صاحب له ، فقال صاحبه نعلق الثوب في جدار الكرم ؟ فقال لا ، لا تغرز الوتد في جدار الناس ، فقال نعلقه في الشجر ؟ فقال لا ،