كلّ شرّ ، واللّه ما رضيتك للّه طرفة عين ، وبكى يوما ، فقيل له : ما يبكيك ؟
قال قوله تعالى :
( إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) .
ثمّ تأمّل نكتة أخرى ، وهي أصل الأصول ، وهي ما ذكر أنّ بعض الصّالحين قال لبعض أشياخه : أوصني بوصيّة ، فقال : أوصيك بوصيّة اللّه ربّ العالمين للأوّلين والآخرين ، قوله تعالى :
( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ )
قلت أنا : أليس اللّه تعالى أعلم بصلاح العبد من كلّ أحد ، أوليس هو أنصح له وأرحم وأرأف من كلّ أحد ؟ ولو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد وأجمع للخير وأعظم للأجر وأجلّ في العبوديّة وأعظم في القدر وأولى بالحال وأنجح في المآل من هذه الخصلة الّتى هي التّقوى لكان اللّه تعالى أمر بها
شرح
( كل شر واللّه ) العظيم ( ما رضيتك للّه ) أي لأجل اللّه ( طرفة عين . وبكى يوما ) من الأيام ( فقيل ما يبكيك ) أي أىّ شئ يبكيك ؟ ( قال ) عامر أبكاني ( قوله تعالى :إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) .قال المصنف رحمه اللّه ( ثم تأمل نكتة ) أي لطيفة مختارة ( أخرى ) قال شيخ الإسلام الهروي النكتة تجمع على نكت بضم النون وفتح الكاف . وأما النكات بالضم فعلى كون الألف للاشباع مثل الدرهام في الدرهم والخاتام في الخاتم كما يستفاد من المغرب وحقائق المنظومة أو على قلب الكسرة ضمه كما قال جدى في تنظيره في تفسير قوله تعالى« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ » *الآية ، فإن النكات بالكسر جمع كقصعة وقصاع وبقعة وبقاع ، صرح به في المغرب ، وإنما ارتكبنا ذلك لأن فعالا بالضم ليس من أبنية الجمع عند الجمهور والمحققين . لكنه ذكر في الصحاح أن رخالا بالضم والكسر جمع رخل بكسر الحاء المعجمة : أي الأنثي من ولد الضأن ، واللّه أعلم ( وهي ) أي تلك النكتة ( أصل الأصول وهي ما ذكر ) من ( أن بعض الصالحين قال لبعض أشياخه أوصني بوصية فقال ) شيخه ( أوصيك بوصية اللّه رب العالمين للأولين والآخرين ) وهي ( قوله تعالى :وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) وهذه الآية قطب القرآن ، لأن مدار القرآن كله على هذا قاله العلامة الزبيدي ( قلت أنا : أليس اللّه تعالى أعلم بصلاح العبد ) في دينه ودنياه ( من كل أحد أوليس هو ) جل وعز ( أنصح ) أي أراد الخير ( وأرحم ) أي أشد رحمة ( وأرأف ) أي أشد رأفة من كل أحد بلى هو تعالى أعلم وأنصح وأرحم وأرأف من كل أحد من العالمين ( ولو كانت في العالم ) أي في عالم الدنيا ( خصلة هي أصلح للعبد وأجمع للخير وأعظم للأجر والثواب ) ( وأجلّ ) أي أعظم ( في العبودية وأعظم في القدر ) أي الرتبة والمنزلة ( وأولى ) أي أفضل ( بالحال وأنجح ) أي أكثر نجاحا وظفرا للمراد ( في المآل ) أي في العاقبة ( من هذه الخصلة التي هي التقوى لكان اللّه تعالي أمر بها ) أي الخصلة التي هي أصلح للعبد من