عباده وأوصى خواصّه بذلك لكمال حكمته وسعة رحمته ، فلمّا أوصى بهذه الخصلة الواحدة وجمع الأوّلين والآخرين من عباده في ذلك واقتصر عليها علمت أنّها الغاية الّتى لا تجاوز عنها ولا مقصد دونها ، وأنّه عزّ وجلّ قد جمع كلّ نصح ودلالة وإرشاد وتنبيه وتأديب وتعليم وتهذيب في هذه الوصيّة الواحدة كما يليق بحكمته ورحمته ، وعلمت أنّ هذه الخصلة الّتى هي التّقوى هي الجامعة لخيرى الدّنيا والآخرة ، الكافية لجميع المهمّات المبلّغة إلى أعلى الدّرجات في العبوديّة ، وقد أحسن من قال :
ألا إنّما التّقوى هي العزّ والكرم * وحبّك للدّنيا هو الذّلّ والعدم
وليس على عبد تقىّ نقيصة * إذا صحّح التّقوى وإن حاك أو حجم
وهذا أصل لا مزيد عليه ، وفيه كفاية لمن أبصر النّور واهتدى وعمل بذلك واستغنى ،
شرح
هذه التقوى ( عباده وأوصى ) أي أمر ( خواصه ) وأصفياءه ( بذلك ) المذكور من الأصلح والأولى للعبد ( لكمال حكمته ) تعالى ( وسعة رحمته ، فلما أوصى ) أي أمر اللّه تعالى ( بهذه الخصلة الواحدة ) التي هي التقوى ( وجمع ) سبحانه وتعالى ( الأولين والآخرين من عباده في ذلك ) الأمر بالتقوى ( واقتصر ) تعالى ( عليها ) أي التقوى ( علمت أنها الغاية ) الأقصى ( التي لا تجاوز عنها ) أي الغاية ( ولا مقصد ) أي لا قصد ( دونها ) أي غيرها ( و ) علمت ( أنه عز وجل قد جمع كل نصح ودلالة وإرشاد ) للخيرات ( وتنبيه وتأديب وتعليم ) لعباده ( وتهذيب ) لأخلاقهم ( في هذه الوصية الواحدة كما يليق بحكمته ) تعالى ( ورحمته ، وعلمت ) أيضا ( أن هذه الخصلة التي هي التقوى هي الجامعة لخيرى الدنيا والآخرة الكافية ) بالرفع صفة للتقوى ( لجميع المهمات المبلغة ) أي الموصلة ( إلى أعلى الدرجات في العبودية وقد أحسن من قال ) وهو أبو العتاهية حين حجم شخصا من بحر الطويل ( ألا ) أداة تنبيه ( إنما التقوى هي العز والكرم ) لقوله تعالى« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »( وحبك للدنيا هو الذل والعدم * وليس على عبد تقى ) لربه ( نقيصة * إذا صحح ) أي العبد ( التقوى وإن حاك ) أي نسج ثوبا . وفي لسان العرب : حاك الثوب يحوكه محوكا وحياكا وحياكة نسجه ، ورجل حائك من قوم حاكة وحوكة أيضا ، وهو من الشاذ ( أو حجم ) أي المتقى ، وفي المختار : الحجم فعل الحاجم وبابه نصر والاسم الحجامة بالكسر والمحجم والمحجمة قارورته ( وهذا ) أي ما قلنا ( أصل لا مزيد علية ) في حسنه واختصاره ( وفيه ) أي في هذا الأصل ( كفاية لمن أبصر النور واهتدى وعمل بذلك ) أي بمقتضى نوره وهدايته ( واستغنى )