تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
أنّك قد تعبت جميع عمرك في العبادة وجاهدت وكابدت حتى حصل لك ما تمنّيت ، أليس الشّأن كلّه في القبول ؛ ولقد علمت أنّ اللّه تعالى يقول :
( إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )
فرجع الأمر كلّه إلى التّقوى . ولذلك روى عن عائشة رضى اللّه عنها أنّها قالت : ما أعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلّم بشئ من الدّنيا ولا أعجبه أحد إلّا ذو تقى .
شرح
وغيره ، ونقله شيخ الإسلام الهروي وعبد الحق وأقراه ( أنك قد تعبت جميع عمرك في العبادة وجاهدت وكابدت ) أي تحملت المشقة في العبادة . وفي المختار : كابد الأمر قاسى شدته ( حتى حصل لك ما تمنيت ) ورجوت ( أليس الشأن ) المطلوب والمقصود ( كله في القبول ، ولقد علمت أن اللّه تعالى يقول« إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »فرجع الأمر ) أي أمر العبادة ( كله إلي التقوى ) لأنها أساس كل الخيرات ( ولذلك ) أي إرجاع الأمور كلها إلى التقوى . ( روي عن ) أم المؤمنين ( عائشة ) الصديقية بنت الصديق الحبيبة بنت الحبيب ( رضى اللّه عنها ) تزوجها صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ، وهي بنت ست بعد تزوجه بسودة بشهر وقبل الهجرة بسنة ودخل بها في المدينة . في شوال منصرفه من بدر سنة اثنتين من الهجرة ، وهي بنت تسع سنين ، وتوفى صلّى اللّه عليه وسلّم وهي بنت ثمانية عشرة سنة ، وعاشت بعده أربعين سنة فإنها توفيت وسنها سبع أو ثمان وخمسون لثلاث عشرة بقيت من رمضان بعد الوتر ، وصلى عليها أبو هريرة لإمارته على المدينة حينئذ من قبل مروان روى لها ألف حديث ومائتان وعشرة وقيل ألف وعشرة اتفق البخاري ومسلم منها علي مائة وأربعة وسبعين وانفرد البخاري بأربعة وسبعين ومسلم بثمانية وستين ، كذا في شرح الأربعين ( أنها قالت : ما أعجب ) أي ما أفرح ( رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم بشئ ) وفي رواية شئ ( من الدنيا ولا أعجبه ) أي ولا أفرحه ( أحد إلا ذو تقى ) للّه ، هكذا نقله العلامة ابن علوي الجداد ولم يذكر إسناده . قال العلامة ابن حجر . وتقواه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه تعالى وقاية تقية منه ، وهي امتثال أوامره تعالى واجتناب نواهيه وهذا على حد اتقوا اللّه : أي غضبه وهو أعظم ما يتقى ، إذ ينشأ عنه عقابه الدنيوي والأخروى ، ويحذركم اللّه نفسه ، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة ، وفسر ذلك صلى اللّه عليه وسلم فقال « قال اللّه تعالى أنا أهل أن أتقى ، فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن أغفر له » . وقد تضاف التقوى إلى عقابه أو مكانه أو زمانه : أي العقاب . فمثال الأول والثاني نحو« وَاتَّقُوا النَّارَ ». ومثال الثالث« وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ »إلى أن قال : ثم حقيقة التقوى متوقفة على العلم ، إذ الجاهل لا يعلم كيف يتقى لا من جانب الأمر ولا من جانب النهى ، وبهذا تظهر فضيلة العلم وتميزه على سائر العبادات والأحوال والمقامات لتوقفها جميعها عليه ، ومن ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم « ما عبد اللّه بشئ أفضل من فقه في دين » وقال « من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده » . والمراد بالعلم المتوقف عليه
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 337 | السيد احمد بن زيني دحلان