تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
شرح
« هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ »،« وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ » ،ولكن الظالمون في شقاق بعيد . ولا عجب فقد توى أولاء الطريق ، وذهب أرباب التحقيق ، فلم يبق في الغالب إلا أهل الزور والفسوق ، متشبثين بدعاوى كاذبة ، متصفين بحكايات موضوعة ، متزينين بصفات منمقة . متظاهرين بظواهر بالعلم فاسدة ، ومتقاطعين بحجج غير صادقة ، كل ذلك لطلب دنيا ، أو محبة ثناء أو مغالبة نظراء ، قد ذهبت المواصلة بينهم بالبرّ ، وتألفوا جميعا على الفعل المنكر ، وعدمت النصائح منهم في الأمر ، وتصافوا بأسرهم على الخديعة والمكر : إن نصحتهم العلماء أغروا بهم ، وان صمت عنهم العقلاء أزروا عليهم ، أولئك الجهال في علمهم ، الفقراء في طولهم البخلاء عن اللّه عز وجل بأنفسهم ، لا يفلحون ولا ينجح تابعهم ، ولذلك لا تظهر عليهم موارثة الصدق ، ولا تستطع حولهم أنوار الولاية ، ولا تحقق لديهم أعلام المعرفة ، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية لأنهم لم ينالوا أحوال النقباء ، ومراتب النجباء ، وخصوصية البدلاء ، وكرامات الأوتاد ، وفوائد القطب وفي هذه أسباب السعادة ، وتتمة الطهارة ، لو عرفوا أنفسهم لظهر لهم الحق ، وعلموا علة أهل الباطن ، وداء أهل الغضب ، ودواء أهل القوة ، ولكن ليس هذا بضائعهم ، حجبوا عن الحقيقة بأربعة بالجهل والإصرار ومحبة الدنيا وإظهار الدعوى ، فالجهل أورثهم السخف ، والإصرار أورثهم التهاون ، ومحبة الدنيا أورثتهم طول الغفلة ، وإظهار الدعوى أورثهم الكبر والاعجاب والرياء ، واللّه من ورائهم محيط ، وهو على كل شئ شهيد ، فلا يغرنك ، أعاذنا اللّه وإياك من أحوالهم شأنهم ، ولا يذهلنك عن الاشتغال بصلاح نفسك تمردهم وطغيانهم ، ولا يغوينك بما زين لهم من سوء أعمالهم شيطانهم ، فكأن قد جمع الخلائق في صعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد وتلا« لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ »فياله موقفا قد أذهل ذوى العقول من القال والقيل ومتابعة الأباطيل ، فأعرض عن الجاهلين ولا تطع كل أفاك أثيم ، فإن استطعت أن تبتغى نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء اللّه لجعل الناس أمة واحدة فاصبر حتى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين .« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » .إلى هنا كلام الغزالي ، وما زالت الأخيار تبتلى بالأشرار . قال السيد مرتضى الحسين : وجلالة قدره ، أي الغزالي ، وفخامة كتابه أشهر من الشمس في رابعة النهار ، وما أحاط بمقام كتابه إلا من أفاض اللّه على قلبه الأنوار ، إذ كتابه متكفل ببيان العلوم الشرعية التي هي علم العقل ، وعلم الأحوال ، وعلم الأسرار ، وما فيه من علم الأحوال فلا سبيل إلى معرفته إلا بالذوق ، ولا يقدر عاقل على ذوقه ولا وجدانه ، ولا أن يقيم على معرفته دليلا ، وهو متوسط بين علم العقل وعلم الأسرار ، وهو إلى علم الأسرار أقرب منه إلى علم العقل النظري ، ولا يكاد يلتذ به إذا جاء من غير نبي إلا أصحاب الأذواق السليمة ، وعلامة هذا الذوق كونه خارجا عن موازين العقول عكس العلم المكتسب ، إذ العلم المكتسب من شأنه أن يكون داخلا في ميزان العقول
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 34 | السيد احمد بن زيني دحلان