شرح
ومما أنكروا عليه أيضا قوله : اعلم أن ميل قلوب أهل التصوف إنما هو إلى تحصيل العلوم اللدنية دون العلوم النقلية ، ولذلك لم يحضوا على دراسة العلم ولا تحصيل ما صنفه المصنفون ، وإنما حضوا على الاشتغال باللّه تعالى وحده والاشتغال بذكر اللّه فقط إلى آخر ما قال ، وعدّ المنكرون ذلك من جملة ما غلط فيه الغزالي وقالوا : قد حث الشارع على طلب العلم فكيف يمدح من لم يحض على تحصيله من الصوفية وقالوا : عزيز هذا الكلام أن يصدر من متشرع فإنه لا يخفى قبحه وهي كالطىّ لبساط الشريعة حقيقة ، ثم على هذا المذهب فقد فاتت الفضائل علماء الأمصار كلهم فإنهم لم يسلكوا طريق الصوفية على هذا النحو الذي ذكره الغزالي ، وإذا ترك الانسان الاشتغال بعلم الشريعة خلت النفس بوساوسها وخيالاتها ولم يبق عندها من العلم ما يطرد ذلك فيلعب بها مع إبليس أىّ ملعب . والجواب أن مراد الغزالي فيما حكاه عنهم إنما هو بعد إحكام الفقير علم الشريعة ، فإنه حكى إجماع القوم على أنه لا ينبغي لأحد أن يدخل طريق القوم إلا بعد تضلعه من علم الشريعة بحيث يصير يقطع علماء الشريعة بالحجج في مجلس المناظرة فلا ينبغي حمل مثل كلامه على أن مراده مدح الاشتغال بأحوال طريق القوم من غير تقدم علمهم للشريعة فان ذلك أبعد من البعيد ، فالغزالى في واد ، والمنكر في واد ، واللّه أعلم .
ومما أنكروه عليه أيضا في تفسير قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام« وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ »أن الأصنام هو الذهب والفضة ، وعبادتهما حبهما والاغترار بهما . قال ابن القيم . وهذا تفسير لم يقل به أحد من المفسرين . والجواب لا ينبغي أن ينكر عليه بسبب ذلك ، فقدورد الحديث « تعس عبد الدينار والدرهم وعبد الخميصة » فسمى محب هذه الأمور عبدا لها مع أنها لا تعقل ولا تدرك من يحبها ولا من يبغضها فكانت كالأصنام ، والعبادة في اللغة : الميل للشئ والطاعة له قال تعالى« أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ »أي لا تطيعوه في وسوسته لكم بالسوء ، فلما كنى الحق تعالى عن طاعة إبليس بالعبادة له استعارة مجازية كذلك صح للغزالي استعارة العبادة للذهب والفضة الذي هو عبارة عن شدة محبتهما ومقاتلة الناس لأجلهما بجامع أن القلب يشتغل بهما عن اللّه تعالى كما يشتغل عباد الأصنام عن اللّه تعالى ، واللّه أعلم .
ومما أنكروه عليه تقريره في الإحياء قول سهل التستري : إن للربوبية سرا لو ظهر لبطلت النبوة ، وإن للنبوة سرا لو ظهر لبطل العلم ، وإن للعلماء سرا لو ظهر لبطلت الأحكام والشرائع .
قال ابن القيم : انظروا إلى هذا التخليط القبيح ودعواه أن باطن الشريعة يخالف ظاهرها وذلك من الهذيان . والجواب لا ينكر على سهل ولا على الغزالي ، لأن ما ذكراه إنما هو على سبيل الفرض والتقدير : أي أن للّه تعالى في عباده وشرائعه أسرارا اختص بها دون خلقه لشدة حجابهم ولو رفع ذلك الحجاب لتساوى علمهم وعلم سيدهم ، ولا قائل بذلك ، ومن أراد أن يشم رائحة