تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
شرح
في أحكام الطريق ؛ فكل ما رأوه أصلح لقلوبهم عملوا به وذلك من باب تعارض المفسدتين ، فيجب ارتكاب الأخف منهما . وأما ما يترتب على ذلك الفعل شرعا فقد جربوا حمايتهم من وقوع العقوبة لهم بسببه . بل تعرفهم الناس بعد ذلك ويقبلون أيديهم فاعلم ذلك . قال السيد مرتضى : ونقل الغزالي مثل هذه الحكاية التي جرت في الحمام لابن الكرنبى عن إبراهيم الخواص ، وأنكر عليه ابن القيم كإنكاره من الأول ، وتعجب من أبى حامد وقال فياليته لم يتصوف ، والجواب واحد ، وأن للفقير أن يداوى قلبه ببعض المحرمات ليدفع عنه محرما آخر هو أشد منه قياسا على مداواة الأجسام ، والأمراض إنما تداوى بأضداد عللها ، وأين هلاك الأبدان من هلاك القلوب واللّه أعلم . ومما أنكروا عليه أيضا قوله ضاع لبعض الصوفية ولد صغير فقيل له : لو سألت اللّه أن يرده عليك ؛ فقال اعتراضى عليه أشد من ذهاب ولدى . قال ابن القيم : لقد طال تعجبي من أبى حامد هذا كيف يحكى هذه الحكايات على وجه الاستحسان لها والرضى عن أصحابها ، ويعد الدعاء والسؤال للّه تعالى اعتراضا : لقد طوى هذا بساط الشريعة طيا ، إذ الدعاء مشروع بالاجماع . والجواب أن مراد الغزالي أن ذلك فيه معنى الاعتراض لا أنه اعتراض ، وإيضاحه أن الاعتراض يرجع إلى تمنى غير ما سبق في علم اللّه عز وجل ، وقد سبق في علمه تعالى ضياع ولد هذا الصوفي فرضى بقضاء ربه ، ولم يطلب رجوع ولده ، ليتساوى وجود ولده وعدمه عنده في أي مكان كان ولا فرق بين كونه في داره أو أقصى الأرض لأنه عبد اللّه تعالى لا عبد لولده فافهمه . فهذا بعض ما تيسر بيانه مما أنكروا على أبى حامد الغزالي في كتابه [ الاحياء ] ملخصا من شرحه للعلامة الزبيدي ، وإن أردت الاستيفاء فانظر هناك تجد ما تريد ، وهم : أي المنكرون من طوائف شتى ما بين مغاربة ومشارقة ومالكية وشافعية وحنابلة . وقد رد ما اعترضوا عليه كما هو مقرر في شرح الزبيدي ، وفي الجزء التاسع عشر من تذكرة الحافظ جلال الدين السيوطي قال : ومما وقع للعلماء من ضرب المثل لأهل عصرهم بالآيات ما وقع لحجة الإسلام الغزالي في كتابه [ الانتصار لما في الاحياء من الأسرار ] حين أنكر عليه علماء عصره مواضع منه ألف الكتاب المذكور لجواب ما أنكروه ، فقال في أوله ما نصه : سألت يسرك اللّه لمراتب العلم تصعد مراقيها وقرب لك مقامات الولاية تحل معاليها في بعض ما وقع في الاملاء الملقب بالاحياء مما أشكل على من حجب فهمه وقصر علمه ولم يفز بشئ من الحظوظ الملكية قدحه وسهمه وأظهرت التحزن لما شاش به شركاء الطغام ، وأمثال الأنعام ، وإجماع العوام ، وسفهاء الأحلام ، وذعار أهل الإسلام حتى طعنوا عليه ، ونهروا عن قراءته ومطالعته ، وأفتوا بمجرد الهوى على غير بصيرة باطراحه ومنابذته ، ونسبوا ممليه إلى ضلال وإضلال ، ونبذوا قراءه ومنتحليه بزيغ في الشريعة واختلال فإلى اللّه انصرافهم ومآبهم ، وعليه في العرض الأكبر إيقافهم وحسابهم ، فستكتب شهادتهم ويسئلون« وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ »« بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ »« وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ »
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 33 | السيد احمد بن زيني دحلان