تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
شرح
ما ذكرناه فلينظر إلى حضرة ربه سبحانه قبل خلقه الخلق يجد أحدا فردا لا ثاني معه يشهد أبدا ثم يستصحب هذا المشهد وهو نازل في المراتب من غير تخلل غفلة أو حجاب ، وأكثر من هذا لا يقال وإذا لم يكن إلا واحدا لا خلق معه ذهبت الرسالة والرسول لعدم من تتوجه عليهم الأحكام فكان بقاء الرسالة وأحكامها بعدم كشف أسرار الربوبية فافهمه ، واللّه أعلم . ومما أنكروه عليه أيضا حكايته عن أبي تراب النخشى أنه قال لمريد له : لو رأيت أبا يزيد البسطامي مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية اللّه عز وجل سبعين مرة . قال ابن القيم : هذا الكلام فوق الجنون بدرجات . والجواب لا ينكر تقريره أبا تراب عن مقللته لأن مراده أن ذلك المريد يجهل مقام الأدب والمعرفة باللّه تعالى ، فهو لا ينتفع برؤيته ، ولا يصح أن يمنحه الحق تعالى بشئ من الآداب ، بخلاف رؤية أبى يزيد فإنها تعلمه طريق الآداب مع اللّه تعالى ومع خلقه ، فكانت أنفع له من رؤية ربه ، وهو لا يعرف أنه هو ، وهذا شأن أكثر الناس اليوم فلا يصح لهم الأخذ عن اللّه تعالى لكثرة حجبهم التي بينهم وبينه ، فهذا معنى قول أبى تراب ، وليس مراده أن رؤية أبى يزيد أفضل من رؤية اللّه تعالى لمن يعرفه فافهمه ، واللّه أعلم . ومما أنكروا عليه أيضا في حكايته عن ابن الكرنبى شيخ الجنيد أنه قال : نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح ، فشتّ قلبي ونفر منى فدخلت الحمام وسرقت ثيابا فاخرة ولبستها ، ثم لبست مرقعتى فوقها وخرجت ، فجعلت أمشى قليلا قليلا ، فلحقونى وأخذوا منى الثياب وصنعونى وسمونى لص الحمام فسكنت نفسي . قال الغزالي : فهكذا كانوا يروّضون نفوسهم حتى يخلصهم اللّه تعالى من فتنة النظر إلى الخلق ومراعاتهم ، ثم أهل النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتى به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم بذلك ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام . قال ابن القيم : سبحان من أخرج أبا حامد الغزالي من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الإحياء ، فليته لم يحك فيه مثل هذه الأمور التي لا يحل لأحد السكوت عليها ، والعجب أنه يحكى هذه الأمور ويستحسنها ؛ ويسمى أصحابها أرباب الأحوال ؛ وأي حالة أقبح من حال من خالف الشريعة ، ورأى المصلحة في النهى عن اتباعها ؛ وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلب بفعل المعاصي ، ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه ، فان في نصّ الإمام أحمد والشافعي : أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده ، ثم أين أرباب الأحوال أولا حتى يعمل العبد على وفاقهم من الرياضة ، كلا واللّه إنها شريعة لو رام مثل أبى بكر رضى اللّه عنه أن يخرج عنها لما وجد لذلك مساعا ، ولو أنه خالفها وعمل برأيه لكان عمله مردودا عليه ، إذ الحق تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان على وفق الشريعة المطهرة . قال : وتعجبي من هذا الفقيه الذي استلب التصوف علمه وعقله أكثر من تعجبي من هذا المستلب للثياب من الحمام ، فياليت أبا حامد بقي مع قواعد الفقه ، واستغنى عن هذه الهذيانات ، والجواب عن هذا كله أن القوم مجتهدون