تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠

[ ما هو التقوى ]

العبادات عليها ، فإنّ الحمار إذا زيد في حمله مع النّقصان من علفه تذلّل وانقاد . والثّالث : الاستعانة باللّه عزّ وجلّ والتّضرّع إليه بأن يعينك ، وإلّا فلا مخلص ، أما تسمع قول يوسف عليه السّلام : ( إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلّا ما رحم ربّى ) فإذا واظبت على هذه الأمور الثّلاثة انقادت لك النّفس الجموح بإذن اللّه عزّ وجلّ ، فحينئذ تبادر إلى أن تملكها وتلجمها وتأمن من شرّها . فإن قلت : فبيّن لنا الآن ما هو التّقوى حتّى نعلمه ؟ فاعلم أوّلا أنّ التّقوى كنز عزيز ، فلئن ظفرت
شرح
العبادات عليها ) أي النفس ( فإن الحمار إذا زيد في حمله مع النقصان من علفه ) أي الحمار ( تذلل وانقاد . والثالث الاستعانة باللّه عز وجل والتضرع إليه ) تعالى ( بأن يعينك ) على قهر النفس وكسر هواها ( وإلا ) أي إن لم تطلب الإعانة باللّه والتضرع إليه ( فلا مخلص ) أي لا خلوص ولا سلامة من مكايد النفس وبوائقها ( أما تسمع قول يوسف ) النبي ( عليه ) الصلاة و ( السّلام )« وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي »( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ )من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهم بها وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات ، كذا ذكره البيضاوي . والسوء : لفظ جامع لكل ما يهم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية . والسيئة : الفعلة القبيحة( إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي )أي إلا وقت رحمة ربى أو إلا ما رحمه اللّه من النفوس فعصمه من ذلك . وقيل : الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربى هي التي تصرف الإساءة كما في البيضاوي . وقال ابن عباس : معناه إلا من عصم ربى فتكون ما بمعنى من ، فهو كقوله« ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ »يعنى من طاب لكم وعلى هذا المنقطع معناه : لكن من رحم ربى فعصمه من متابعة النفس الأمارة بالسوء ( فإذا واظبت ) أي لزمت ( على هذه الأمور الثلاثة انقادت لك النفس الجموح بإذن اللّه عز وجل ) وإرادته ( فحينئذ ) أي حين إذ تنقاد لك النفس ( تبادر ) أي تسرع ( إلى أن تملكها ) وتمسكها ( وتلجمها ) بضم التاء وكسر الجيم : أي تقيد النفس باللجام ( و ) مبادرتك بذلك إلى أن ( تأمن من شرها . فإن قلت فبين ) وفصل ( لنا الآن ) أي في هذا الموضع ( ما هو التقوى ) أي أىّ شئ يسمي بها ( حتى نعلمه ) أي المسمى بالتقوى ( فاعلم أولا أن التقوى ) معنى جامع للعبادة ينتظم هذا المعنى في قوله تعالى« يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ »حتى أن العاقبة صارت موسومة بالتقوى مخصوصة بها كما صار الحمد مخصوصا باللّه تعالى والصلاة مخصوصة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى الحمد للّه رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة على سيدنا محمد وآله أجمعين ، وقد خصص اللّه تعالى التقوى بالإضافة إلى نفسه فقال« لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ »وبالجملة إن التقوى ( كنز عزيز ، فلئن ظفرت ) بكسر الفاء