ثمّ هلمّ جرّا إلى يوم القيامة .
شرح
لأن اللّه خير بينهما من أشرك طول عمره فهذان أولى . ويجاب بأن ذلك إنما فعل تغليظا للعقوبة عليهما ولا يقاسان بمن أشرك ، لأن الأمور التوقيفية لا مجال للرأي فيها .
[ الثالث ] من أعجب الأمور أنهما يعلمان الناس السحر في حال كونهما يعذبان ويدعوان إليه وهما يعاقبان . ويجاب بأنه لا عجب في ذلك ، إذ لا مانع أن العذاب يفتر عنهما في ساعات فيعلمان فيها لأنهما أنزلا فتنة عليهما لما وقع لهما مما ذكروا على الناس لتعلمهم منهما السحر ، كذا أفاد العلامة ابن حجر في الزواجر في بيان السحر . وقد أفاد أيضا في بيان شرب الخمر ، أخرج ابن حبان في صحيحه ، وقيل الصحيح وقفه على كعب عن ابن عمر رضى اللّه عنهما أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « إن آدم لما أهبط إلى الأرض قالت الملائكة : أي رب أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون » قالوا ربنا نحن أطوع لك من بني آدم . قال اللّه تعالى لملائكته : هلموا ملكين من الملائكة ، فننظر كيف يعملان ؟ قالوا ربنا هاروت وماروت . قال : اهبطا إلى الأرض ، فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر ، فجاآها فسألاها نفسها ، فقالت لا واللّه حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك قالا : واللّه لا نشرك باللّه أبدا ، فذهبت عنهما ثم رجعت إليهما ومعها صبي تحمله ، فسألاها نفسها ، فقالت لا واللّه حتى تشربا هذه الخمر فشربا فسكرا فوقعا وقتلا الصبى ، فلما أفاقا قالت المرأة : واللّه ما تركتما من شيء أبيتما على إلا فعلتماه حين سكرتما ، فخيرا عند ذلك بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا » انتهى . قال ابن عباس : وذلك إذ علما أنه ينقطع فهما ببابل يعذبان . قيل إنهما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة ، وقيل : إنهما منكوسان يضربان بسياط الحديد . وقيل : إن رجلا قصدهما ليتعلم السحر ، فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقة عيونهما مسودة جلودهما ، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع ، وهما يعذبان بالعطش ؛ فلما رأى ذلك هاله فقال لا إله إلا اللّه ، فلما سمعا كلامه قالا لا إله إلا اللّه ، من أنت ؛ قال رجل من الناس ، فقالا من أي أمة أنت ؟ قال من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قالا : أو قد بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال نعم ، فقالا الحمد للّه وأظهرا الاستبشار ، فقال الرجل مم استبشار كما ؟ قال إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا ( ثم هلم جرا إلى يوم القيامة ) هو منصوب على المفعول المطلق محذوف العامل . أي جر جرا ، أو على الحال بتأويل الصفة : أي هلم جرا ، وهلم كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء كتعال فتكون لازمة ، وقد تستعمل متعدية ، نحو « هلم شهداءكم » : أي أحضروهم ، وهي مركبة عند البصريين من هاء التنبيه ومن لم ، كأن المنادى أراد لم نفسك إلينا : أي ضم نفسك إلينا أو قرب ، وحذفت الألف من الهاء تخفيفا لكثرة الاستعمال ، وعند الكوفيين من هل أم : أي اقصد ، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام ، وسقطت ، وليس ببعيد أن يكون أصلها هلم بمعنى هنا ثم تصرفوا فيها . وهي عند الحجازيين من