تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
ولا تجد في الخلق فتنة ولا فضيحة ولا ضلالا ولا معصية إلّا وأصلها النّفس وهواها وإلّا كان الخلق في سلامة وخير ، وإذا كان عدوّ بهذا الضّرر كلّه فحقّ للعاقل أن يهتمّ بأمره ، واللّه تعالى ولىّ الهداية والتّوفيق بفضله . فإن قلت : فما الحيلة إذا لنا في هذا العدوّ وما التّدبير في أمره فبيّن لنا ذلك ، فاعلم أنّا ذكرنا فيما تقدّم أنّ أمرها عسير صعب إذ لا يمكن قهرها بمرّة كسائر الأعداء إذ هي المطيّة والآلة . وقيل إنّ أعرابيّا دعا لإنسان بخير ، فقال : كبت اللّه تعالى كلّ عدوّ لك إلّا نفسك ، ولا يمكن إهمالها بمرّة لمكان ضررها فتحتاج إلى طريق بين الطّريقين ،
شرح
أسماء الأفعال يستوى فيها الواحد والجمع والتذكير والتأنيث . ومنه في سورة الأحزاب« وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا » .وتميم تجريها مجرى رد على أنها فعل أمر ، وأهل نجد يصرفونها : أي يستعملون منها غير الأمر لأنهم يجعلونها فعلا ويلحقونها الضمائر ، فيقولون في المثنى هلما ؟ وفي المؤنث هلمى . وفي الجمع الذكور هلموا ، وللنساء هلممن ، وعليه أكثر العرب والأول أفصح ، فلا تجد في الخلق فتنة ولا فضيحة ولا ضلالا ولا معصية إلا وأصلها النفس وهواها : أي النفس . ولما كان الهوى سببا للهلاك أجمع على ذمه العارفون ؟ ووردت بذمه الآيات والأحاديث لأنه ينتج من الأخلاق قبائحها ، ويظهر من الأفعال فضائحها ، ويجعل ستر المروءة مهتوكا ، ومدخل الشر مسلوكا . وقال ابن عباس : الهوى إله يعبد من دون اللّه وتلا قوله تعالى« أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ »الآية . وقال الشعبي : إنما سمى هوى لأنه يهوى بصاحبه إلى النار . وبالجملة فالهوى أصل كل بلية . والخلاص منه عسر جدا إلا بتوفيق من اللّه تعالى ( وإلا ) أي إن لم توجد النفس والهوى ( كان الخلق في سلامة ) من المعاصي ( وخير ، وإذا كان عدو ) متلبسا ( بهذا الضرر كله فحق ) أي وجب ( للعاقل أن يهتم ) ويجتهد ( بأمره ) أي العاقل ليكون في سلامة ونيل خير في الدنيا والآخرة ( واللّه تعالى ولى الهداية والتوفيق بفضله ) وجوده وكرمه ( فإن قلت ) لي ( فما الحيلة إذا ) أي إذا كان العدو بهذا الضرر ( لنا في ) قهر ( هذا العدو ) أي النفس الأمارة بالسوء ( وما التدبير ) أي النظر ( في أمره ) أي هذا العدو ( فبين ) أنت ( لنا ذلك ) الحيلة والتدبير فيما ذكر ( فاعلم ) هداك اللّه ( أنا ) قد ( ذكرنا فيما تقدم ) أي في عقبة العوائق ( أن أمرها ) أي النفس ( عسير صعب ) مرادف لما قبله ( إذ لا يمكن قهرها ) ودفعها ( بمرة كسائر الأعداء إذ هي المطية ) أي المركب ( والآلة ) ولا مطمع في موافقتها ( وقيل إن أعرابيا ) أي رجلا من سكان البادية ( دعا لإنسان بخير فقال ) أي ذلك الأعرابي ( كبت ) أي أذل ( اللّه تعالى كل عدو لك إلا نفسك ، ولا يمكن إهمالها ) أي تركها ( بمرة لمكان ضررها فتحتاج ) أنت ( إلى طريق بين الطريقين ) :