تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
تربّيها وتقوّيها بقدر ما تحتمل فعل كلّ خير وتضعفها وتحبسها على حدّ لا تتمادى فأنت من أمرها في علاج شديد ونظر لطيف . ثمّ قد ذكرنا في أمرها أن تلجمها بلجام التّقوى والورع لتحصّل الفائدتين جميعا . فإن قلت : إنّ هذه دابّة جموح وبهيمة صعبة شكسة لا تنقاد للّجام ، فما الحيلة فيها حتّى تمكنّنا منها ؟ فاعلم أنّك فيها صادق ، والحيلة تذليلها حتّى تنقاد للّجام . قال علماؤنا رضى اللّه عنهم : إنّما يذلّل النّفس ويكسر هواها ثلاثة أشياء : أحدها : منع الشّهوات فإنّ الدّابّة الحرون تلين إذا نقص من علفها ، والثّانى حمل أثقال
شرح
الأول ( تربيها ) أي النفس وتعهدها ( وتقويها بقدر ما تحتمل ) أي تلك النفس ( فعل كل خير و ) الثاني ( تضعفها وتحبسها ) بفتح التاء وكسر الباء من باب ضرب ( على حد لا يتمادى ) أي لا يتطاول ؛ وفي نسخة : لا تتمادى بالتاء في أوله : أي لا تتجاوز النفس عن الحد ( فأنت من أمرها في علاج شديد ونظر لطيف ) أي فكر دقيق ( ثم ) إنا ( قد ذكرنا في أمرها ) أي النفس في عقبة العوائق ( أن تلجمها ) أي تقيدها ( بلجام التقوى والورع ) وهو ترك الشبهات ، والتقوى والورع أسام اشتقت من معان شرطها الخوف فإن خلا عن الخوف لم يسم بهذه الأسامى ( لتحصل الفائدتين ) السابقتين هناك وهما استعمالها في المصالح والمراشد ومنعها من المهالك والمفاسد ( جميعا . فإن قلت ) لي ( إن هذه ) النفس الأمارة بالسوء ( دابة ) أي بمنزلتها ( جموح ) أي غير منقادة لراكبها . وفي المصباح : جمح الفرس براكبه يجمح بفتحتين جماحا بالكسر وجموحا : استعصى حتى غلبه ، فهو جموح بالفتح ، وجامح يستوى فيه الذكر والأنثى ( وبهيمة صعبة شكسة ) أي سيئة الخلق ، يقال شكس شكسا وشكسة فهو شكس ، مثل شرس شراسة من باب تعب فهو شرس وزنا ومعنى . والسراسة بالفتح : سوء الخلق كما أفاده المصباح ( لا تنقاد ) أي لا تطيع ( للجام فما الحيلة فيها ) أي الدابة الجموح التي هي النفس ( حتى تمكننا ) أي تلك الحيلة ( منها فاعلم أنك فيها ) أي في وصف النفس بأنها مثل الدابة الجموح والبهيمة الصعبة ( صادق ) غير كاذب ( و ) أما ( الحيلة ) فهو ( تذليلها ) وكسر هواها ( حتى تنقاد ) أي النفس ( للجام . قال علماؤنا رضى اللّه عنهم ) في بيان ما يذلل النفس ويكسر هواها ( إنما يذلل النفس ويكسر هواها ثلاثة أشياء : أحدها منع الشهوات ) أي مشتهياتها ( فإن الدابة الحرون ) بوزن الرسول : أي التي لاتنقاد ، وفي المختار : فرس حرون لا ينقاد وإذا اشتد به الجرى وقف ، وقد حرن من باب دخل وحرن بالضم صار حرونا والاسم الحران ( تلين ) وتضعف ( إذا نقص ) بالبناء للمفعول ( من علفها ) بفتحتين : أي معلوفها ( والثاني حمل أثقال
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 329 | السيد احمد بن زيني دحلان