تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
شرح
ومما أنكروه عليه أيضا ما أجاب به من سأله عن رجل يدخل البادية بلا زاد من قوله : هذا من فعل رجال اللّه . قيل له فإن مات ؟ قال الدية على العاقلة . قال المنكر : هذه فتوى جاهل بقواعد الشريعة ، إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز لأحد دخول البادية بغير زاد ، وإن فعل كل ذلك ومات بالجوع فهو عاص مستحق للعقوبة في الآخرة . والجواب أن يكون مراد الغزالي من رجال اللّه أرباب الأحوال الذين غلبت عليهم أحوالهم لا العارفين من مشايخ الطريق بقرينة ما مر في الجواب قبله ؛ فلا لوم على الغزالي إلا لو جعل ذلك شائعا في كل الناس . ومما أنكروه عليه أيضا تقريره عن أبي الخير الأقطع التينانى قوله : إني عقدت مع اللّه عهدا أن لا آكل شيئا من الشهوات ؛ فمددت يدي إلى ثمرة في شجرة فقطعتها فبينما أنا أمضغها إذ ذكرت العهد فرميت بها من فمي ، فدار بي فرسان وقالوا قم وأخرجوني إلى ساحل بحر أسكندرية ، وإذا أمير وحوله خيل وجند ، فقالوا أنت من اللصوص وإذا معهم جماعة ، من لصوص السودان ، فسألوهم عنى ؛ فقالوا لا نعرفه ؛ فكذبهم الأمير وشرع يقدم يدا ويقطعها إلى أن وصل إلىّ وقال لي تقدم ومد يدك ؛ فمددتها فقطعت إلى آخرها . قال المنكر : فانظروا إلى هذا الجهل العظيم ما فعل بصاحبه ، ولو أن عند التينانى رائحة علم لعلم أن ما فعله حرام عليه وليس لإبليس عون على الزهاد والعباد أكثر من الجهل ، وما أظن غالب ما يقع لهؤلاء إلا من الماليخوليات . والجواب لا ينبغي الانكار على أبى الخير ولا على الغزالي فإنهما مجتهدان في ذلك ، فرأيا أن نقض العهد عند الأكابر أعظم من سرقة ربع دينار ، وأيضا فان مشهد الأكابر حضرة التقدير الإلهى فهم مع الذي قدر القطع لا مع الجلاد الذي يقطع اليد مثلا ، وكلام الغزالي في حق الأكابر ، وكلام المنكر في حق الأصاغر فإنه كان يكفى عقوبة أجدهم أن يتوب ويستغفر من نقض العهد وليس له أن يمكن الجلاد من قطع يده ما أمكن لأن ذلك لم يأمر به الشرع ، واللّه أعلم . ومما أنكروا عليه أيضا قوله : ان الاشتغال بعلم الظاهر بطالة . قال ابن القيم : هذا جهل مفرط منه ، وأصل ذم الصوفية العلم أنهم رأوا طريق الاشتغال به لا يوصلهم إلى الرياسة إلا بعد طول زمان ، بخلاف طريقتهم المبتدعة من لبسهم الزىّ وصلاتهم بالليل وصيامهم بالنهار وتقصير الثياب والأكمام . والجواب لا ينكر عليه ذلك ، فإن مراده الاشتغال به على طريق الجدال بطالة بالنسبة إلى طريق العلماء العاملين ، لا أن مراده بطالة من كل وجه ، وكيف يظن به أن يريد ما فهمه المنكر وهو يعلم أن علم الشريعة هو أساس علم الحقيقة ، إذ الشريعة لها تقويم صور العبادات الظاهرة والحقيقة لها تقويم صور العبادات الباطنة بحيث تستحق أن يقبلها اللّه تفضلا منه ، وقد بلغنا أن الغزالي ما قال ذلك إلا في حق نفسه لما دخل طريق القوم ورأى كمالها وآدابها ، فقال ضيعنا عمرنا في البطالة .