[ حديث هاروت وماروت ]
ثمّ حديث هاروت وماروت كان السّبب في شأنهما الشّهوة ،
شرح
وتفسيره : هبة اللّه ، يعنى أنه خلف من هابيل وعلمه اللّه ساعات الليل والنهار وعلمه عبادات الخلق في كل ساعة وأنزل عليه خمسين صحيفة ، وصار وصى آدم وولى عهده . وأما قابيل فقيل له اذهب فذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا يأمن من رآه ، فأخذ بيد أخته إقليما وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن ، فأتاه إبليس وقال له إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبدها فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك ، فبنى بيت النار فهو أول من عبد النار ؛ وكان قابيل لا يمر به أحد إلا رماه بالحجارة ، فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابنه ، فقال ابن الأعمي لأبيه هذا أبوك قابيل فرمي الأعمى أباه قابيل فقتله ، فقال ابن الأعمي لأبيه قتلت أباك قابيل ، فرفع الأعمي يده ولطم ابنه ، فمات ، فقال الأعمى : ويل لي قتلت أبى برميتى وقتلت ابني بلطمتي ، فلما مات قابيل علقت إحدى رجليه بفخذه وعلق بها فهو معلق بها إلى يوم القيامة ، ووجهه إلى الشمس حيث دارت ، وعليه حظيرة من نار في الصيف ، وحظيرة من ثلج في الشتاء ، فهو يعذب بذلك إلي يوم القيامة . قالوا واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من الطبول والزمور والعيدان والطنابير ؛ وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والفواحش ، حتى أغرقهم اللّه تعالي جميعا بالطوفان في زمن نوح عليه السّلام ، فلم يبق من ذرية قابيل أحد ، وأبقى اللّه ذرية شيث ونسله إلى يوم القيامة .
قال المصنف رحمه اللّه تعالى ( ثم حديث هاروت وماروت ) هما اسمان سريانيان للملكين ، ومنع صرفهما للعجمة والعلمية ( كان السبب في شأنهما الشهوة ) . اعلم أن المفسرين ذكروا لهذين الملكين قصة عظيمة طويلة . حاصلها أن الملائكة لما اعترضوا بقولهم« أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ »ومدحوا أنفسهم بقولهم« وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ »أراهم اللّه تعالى ما يدفع دعواهم ، فركب في هاروت وماروت منهم شهوة وأنزلهما حاكمين في الأرض فافتتنا بالزهرة مثلت لهما من أجمل النساء ، فلما وقعا بها خيرا بين عذابي الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدنيا ، فهما يعذبان إلى يوم القيامة ، ونازع جماعة في أصل ثبوت هذه القصة وليس كما زعموا لورود الحديث بل صحته بها ، وسيأتي لفظه . ومن جملته أنها لما مثلت لهما وراوداها عن نفسها أمرتهما بالشرك فامتنعا ، ثم بالقتل فامتنعا ، ثم بشرب الخمر فشرباها ، ثم وقعا بها وقتلا ، ثم أخبرتهما بما فعلاه فخيرا كما ذكروا ، ومن المنازعين الفخر قال : هذه القصة رواية فاسدة مردودة ليس في كتاب اللّه ما يدل عليها ، بل فيه ما يبطلها من وجوه :
[ الأول ] عصمة الملائكة من كل ذنب . ويجاب بأن محل العصمة ما داموا بوصف الملائكة ، أما إذا انتقلوا إلى وصف الإنسان فلا ، على أنه يعلم الحديث المذكور أن ما وقع لهما إنما هو من باب التمثيل لا الحقيقة ، لأن الزهرة تمثلت لهما امرأة وفعلت بهما ما مر دفعا لقولهم« أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ »كما يأتي ذكر ذلك في الحديث .
[ الثاني ] زعم أنهما خيرا بين العذابين فاسد ، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب