فإذا يستحسن الإنسان من نفسه كلّ قبيح ، ولا يكاد يطّلع على عيب لها هي في عداوتها وأضرارها ، فما أوشك ما توقعه في فضيحة وهلاك وهو لا يشعر إلّا أن يحفظه اللّه تعالى بفضله ، ويعينه عليها برحمته .
ثمّ أقول : تأمّل أيّها الرّجل نكتة واحدة مقنعة ، وهي أنّك إذا نظرت وجدت أصل كلّ فتنة وفضيحة وخزى وهلاك وذنب وآفة وقع في خلق اللّه تعالى من أوّل الخلق إلى يوم القيامة من قبل هذه النّفس ، إمّا بها وحدها أو بمعاونتها ومشاركتها ومساعدتها . فأوّل المعصية للّه تعالى كانت من إبليس ، وكان سببه بعد القضاء السّابق هوى النّفس بكبرها وحسدها ،
شرح
الإنسان إذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له داع من عقل أو دين أصمه حبه عن العذل وأعماه عن الرشد . وقال بعضهم في ذلك * وعين أخي الرضا عن ذاك تعمى * ( فإذا ) أي حين إذا كان الأمر كما قاله القائل ( يستحسن الإنسان من نفسه كل ) أمر ( قبيح ولا يكاد يطلع علي عيب لها ) أي لنفسه بخلاف عيب غيره فإنه يرى ذلك . وهذا من أقبح القبائح ، وللّه در القائل :أرى كلّ إنسان يرى عيب غيره * ويعمى عن العيب الذي هو فيه
فلا خير فيمن لا يرى عيب نفسه * ويعمى عن العيب الذي بأخيه( وهي ) أي تلك النفس ( في عداوتها وأضرارها فما أوشك ) أي أقرب فعل تعجب ( ما توقعه ) أي صاحبها ( في فضيحة وهلاك وهو ) أي صاحب النفس ( لا يشعر ) أي لا يعلم ( إلا أن يحفظه اللّه تعالى بفضله ويعينه عليها ) أي على قهر النفس وقمعها ( برحمته ) تعالى فإنه نجا من الفضائح والمهالك ( ثم أقول : تأمل ) من التأمل بمعنى إعمال الفكر ومزيد التدبير ( أيها الرجل ) المريد لسلوك طريق الآخرة [ نكتة ] أي لطيفة مستخرجة بالفكر مؤثرة في القلب ( واحدة مقنعة ) بوزن مكرمة اسم فاعل من أقنع الرباعي : أي كافية لمن تفكرها وتأملها أو مصدر ميمى بمعنى قناعة مبالغة على حد عدل زيد ( وهي ) أي النكتة المقنعة ( أنك إذا نظرت ) أي تأملت ( وجدت أصل كل فتنة ) أي بلية ( وفضيحة وخزى ) أي ذل ( وهلاك وذنب وآفة وقع ) أي كل ذلك ( في خلق اللّه تعالى من أول الخلق إلى يوم القيامة من ) متعلق بقوله وجدت ( قبل ) بكسر القاف أي جهة ( هذه النفس ) الأمارة بالسوء ( إما بها وحدها ) أي منفردة بذاتها ( أو بمعاونتها ومشاركتها ومساعدتها فأول المعصية للّه تعالى كانت من إبليس ) اللعين ، وهي مخالفة أمر اللّه تعالى بالسجود لآدم عليه السّلام ( وكان سببه ) أي عصيان إبليس ( بعد القضاء السابق ) في علم اللّه الأزلي ( هوى النفس ) أي ما تهواه وتحبه من الصفة المذمومة ( بكبرها ) أي بسبب كبر نفس اللعين عن السجود لآدم عليه السّلام ( وحسدها ) لآدم على ما شرفه اللّه وآتاه من فضله .