ثمّ عليك يا طالب العبادات ، عصمك اللّه وإيّانا بالحذر من هذه النّفس الأمّارة بالسّوء فإنّها أضرّ الأعداء . وبلاؤها أصعب البلاء ، وعلاجها أعسر الأشياء وداؤها أعضل الدّاء ودواؤها أشكل الدّواء ، وإنّما ذلك لأمرين : أحدهما : أنّها عدوّ من داخل ،
شرح
فخرجت فإذا رجل ملتف بعباءة مطروح على الطريق ، فلما أحس بي رفع رأسه وقال : تأخرت إلى الساعة ؟ . قلت يا سيدي من غير موعد . فقال بلى قد سألت محرك القلوب أن يحرك إلىّ قلبك ، فقلت : فما حاجتك ؟ قال متي يصير داء النفس دواءها ؟ قلت إذا خالفت هواها صار داؤها دواءها فأقبل على نفسه ، وقال اسمعى فقد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات فأبيت إلى أن سمعتيه من الجنيد وانصرف ولم أعرفه . قال شيخ الإسلام : ولها ، أي النفس أربعة أنواع : الأمارة بالسوء . قال تعالى« إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ »وهي نفس الكافر . واللوامة . قال تعالى :« وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ »وهي نفس عصاة المؤمنين . والملهمة . قال تعالى« وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها »وهي نفس عامة المؤمنين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا .
والمطمئنة . قال تعالى« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ » ،الآية وهي نفس الأنبياء والأولياء والصديقين ، وقيل غير ذلك ، واللوامة إذا أطاعت المطمئنة لامت ذاتها في الدنيا ، وإن أطاعت الأمارة لامت ذاتها في الآخرة ، انتهى بمعناه . وفي شرح البردة للخربوطى أن الصوفية قالوا : إن النفس ست .
الأولى الأمارة ، وهي التي تميل إلى الطبيعة البدنية وتأمر باللذات والشهوات الحسية وتجذب القلب لجهة السفلية فهي مأوى الشرور ومنبع الأخلاق الذميمة ، لأنها مبدأ الكبر ونحوه ، وهي نفس الكفار والشياطين والفاسقين . والثانية اللوامة ، وهي التي تنورت بنور القلب فتطيع العاقلة مرة وتعصى أخرى ثم تندم فتلوم نفسها ، وهي منبع الندامة ، لأنها مبدأ الهوس والعثرة والحرص وهي نفس العامة . والثالثة المطمئنة ، وهي التي تنورت بنور القلب حتى تخلت عن صفاتها الذميمة وتخلقت بالأخلاق الحميدة ، وهي نفس المتعلمين العاملين . والرابعة الملهمة ، وهي التي ألهمها العلم والتواضع والقناعة والسخاوة فلذا كانت منبع الصبر والتحمل والشكر وهي نفس الأولياء الكرام والخامسة المرضية ، وهي التي رضيت بتلك عن اللّه كما قال تعالى« وَرَضُوا عَنْهُ » *ويترك فيها الكرامات ويعرف فيها اللّه تعالى ، وهي نفس العارفين . والسادسة الصالحة ، وهي التي مقام الأسرار بين اللّه وبينها ؛ وهي نفس الأنبياء والمرسلين . قال المصنف رحمه اللّه ( ثم عليك ) أي الزم ( يا طالب العبادات ) للّه رب العالمين ( عصمك ) أي حفظك ( اللّه وإيانا ) من آفات النفس جملة دعائية ( بالحذر من هذه النفس الأمارة بالسوء ، فإنها أضر الأعداء وبلاؤها أصعب البلاء وعلاجها أعسر الأشياء وداؤها أعضل ) أي أصعب ( الداء ودواؤها أشكل الدواء ، وإنما ) يلزم عليك ( ذلك ) الحذر ( لأمرين : أحدهما أنها ) أي النفس ( عدو من داخل ) ولا كذلك الشيطان فإنه