تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
شرح
والغزالي لأنه لو حمل أيضا الزاد يجوز أن يقع له ما يقع لمن لم يحمله من الأحوال التي ذكرها لكن لا يخفي أن حمل الزاد سنة ، ومن فعل السنة كان تحت نظر اللّه تعالى بالإمداد واللطف لأنه فعل ما كلفه ، بخلاف من لم يحمل زادا فإنه موكول إلى نفسه ولو كان ممن صحت تجربته للحق تعالى فإن الحق جل وعلا لا تقييد عليه ، يفعل ما يشاء إلا إن قيد على نفسه بشئ فللعبد طلبه منه عبودية . وقد قال رجل للحسن البصري : إني أريد أن أجلس في مسجد وأترك السبب لاعتقادى أن اللّه لا يضيعني ، فقال له الحسن البصري : إن كنت على يقين السيد إبراهيم الخليل عليه السّلام فافعل وإلا فالزم الحرفة ، واللّه أعلم . ومما أنكروه عليه أيضا تقريره ما حكاه عن بعضهم أنه بات عند السباع في برّية ليمتحن توكله على اللّه تعالى هل صح أم لا ؟ . قال المنكر : كيف يجوز للغزالي أن يسكت على ما فعله هذا الرجل مع تعرضه لأسباب الهلاك ببياته عند السباع لا سيما إن كانت جيعانة . وقد قال تعالى« وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ». والجواب أن ذلك في حق أرباب الأحوال الذين يغلب حالهم حال السبع ويركبونه ويعركون أذنه وينقاد لهم بل يخاف هو منهم ، وهذا مقام يبلغه المريد أوائل دخوله في الطريق فيمسح اللّه من قلبه الخوف من شئ من المخلوقات جملة واحدة ، وقد وقع ذلك لجملة من الأولياء ؛ وفوق هذا مقام أرفع من هذا وهو الخوف من كل شئ يؤذى والتباعد عنه ، ولو علمنا أن الحق تعالى قدر علينا ما يؤذينا فنتحفظ من الأذى حسب طاقاتنا ويفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء ويثاب على ذلك الحذر لا سيما إن كان مشهد أحدنا أن نفسنا وديعة عند اللّه تعالى وقد أمرنا بمدافعة الأقدار عنها ، واللّه أعلم . ومما أنكروه عليه أيضا تقرير ما حكاه عن أبي الحسن الدينوري أنه حج اثنتي عشرة حجة وهو حاف مكشوف الرأس . قال ابن القيم : هذا من أعظم الجهل لما في ذلك من الأذى للرأس والرجلين ، ولا تسلم الأرض من الشوك والوعر ، وكأن هؤلاء الصوفية ابتكروا من عند أنفسهم سريعة سموها [ بالتصوف ] وتركوا شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بجانب ، نعوذ باللّه من تلبيس إبليس ، فإن مثل هذه الحكايات تفسد عقائد العوام ويظنون أن فعله من الصواب . والجواب لا ينبغي المبادرة بالإنكار على من أتلف جسمه في مرضاة اللّه تعالى وتعظيم حرماته ، وربما كان من خرج للحج حافيا مكشوف الرأس وقع في ذنب عظيم عنده وظن أن الحق تعالى قد سخط عليه بسببه فخرج بتلك الهيئة يطلب التنصل من ذنوبه على وجه الذل والانكسار ، وقد وقع لسفيان الثوري أنه حج من البصرة حافيا فتلقاه الفضيل بن عياض وابن أدهم وابن عيينة من خارج مكة فقالوا له : يا أبا عبد اللّه : أما كان من الرفق بذاتك أن تركب ولو حمارا ؟ فقال : اما يرضى العبد الآبق من سيده أن يأتي إلى مصالحته إلا راكبا ، فبكى الفضيل والجماعة ، فانظر ذلك واقتد به ، واللّه أعلم .
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 29 | السيد احمد بن زيني دحلان