فتيقّظ رحمك اللّه ، فإنّ الأمر كما ترى وتسمع قس عليه سائر الأحوال والأفعال واستعن باللّه تعالى واستعذ به فإنّ الأمر بيده ومنه التّوفيق ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العلىّ العظيم .
شرح
فإن أبى خفف عليه أعمال البر حتى يراه الناس صابرا عفيفا فتميل قلوبهم إليه ويعجب بنفسه وبه يهلكه وعنده تشتد الحاجة فإنها آخر درجة ، ويعلم أنه لو جازوها أفلت منه إلى الجنة فآخر أعماله إذا عجز عن ابن آدم إيقاعه في العجب وهو سوس الأعمال وبه يتم الهلاك ، فإن سلم منه نجا بعمله . أعاذنا اللّه منه ، وقد يستأنس لهذا القول بحيث « ان الشطان قعد لابن آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام ، فقال أتسلم ؟ أتترك دينك ودين آبائك ؟ فعصاه وأسلم ؛ ثم قعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر أتدع أرضك وسماءك ؟ فعصاه وهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : أتجاهد وهو تلف النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك فعصاه وجاهد . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فمن فعل ذلك فمات كان حقا على اللّه أن يدخله الجنة » قال العراقي :
رواه النسائي من حديث سبرة بن أبي فاكه بإسناد صحيح ( فتيقظ ) أي تنبه من سنة الغفلة ( رحمك اللّه ) جملة دعائية ( فإن الأمر ) أي أمر الطاعة لرب العالمين ( كما ترى ) من كثرة مكايد الشيطان ومكره ( وتسمع وقس عليه ) أي على هذا الأمر ( سائر الأحوال والأفعال ، واستعن باللّه تعالى واستعذ ) واعتصم ( به ) تعالى من الشيطان الرجيم ( فإن الأمر ) كله ( بيده ) أي بقدرته تعالى ( ومنه ) سبحانه ( التوفيق ) أي لمرضاته ( ولا حول ) لنا نتحول به عن المعصية موجود ( ولا قوة ) لنا نتقوى بها على الطاعات موجودة ( إلا ) وهما ( باللّه ) أي بإعانته سبحانه ( العلى ) الأعلى :
أي البالغ في العلو ، إذ لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته ، أو الذي علا عن أن تدرك الخلق ذاته أو تتصور صفاته بالكنه والحقيقة فهو المرتفع ( العظيم ) في ذاته على كل من سواه فليس لعظمته بداية ولا لكنه جلاله نهاية ، وليست بتعظيم الأغيار جل قدره عن الحد والمقدار وأظهر معاني العظمة القوة والقدرة ، وفيه إشارة لمجموع صفاته النفسية والمعنوية والقدسية وحظ العبد منه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « من تعلم وعلم فذلك يدعى في ملكوت السماء عظيما » وأن يستحقر نفسه ويذللها بالإقبال والانقياد لأوامره تعالى واجتناب نواهيه .
[ تنبيه ] ينبغي الإكثار من : لا حول ولا قوة إلا باللّه . قال صلّى اللّه عليه وسلّم لأبى هريرة « ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة تقول : لا حول ولا قوة إلا باللّه ، فيقول اللّه أسلم عبدي واستسلم » أي فوض أمر الكائنات إليه تعالى وانقاد له بنفسه مخلصا ، فإن لا حول يدل على نفى التدبير للكائنات وإثباته له تعالى . وقال عليه السّلام لقيس بن سعد « ألا أدلك على باب الجنة » وفي رواية « على كنز من كنوز الجنة ؟ قال بلى ، قال لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي