سعيدا لم يضرّك ترك العمل ، وإن خلقت شقيّا لم ينفعك فعله ، فإن عصمه اللّه تعالى ردّه بأن قال : إنّما أنا عبد ، وعلى العبد امتثال الأمر لعبوديّته ، والرّبّ أعلم بربوبيّته يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد . ولأنّه ينفعني العمل كيفما كنت لأنّى إن كنت سعيدا احتجت إليه لزيادة الثّواب ، وإن كنت شقيّا فأنا محتاج إليه كي لا ألوم نفسي ، على أنّ اللّه تعالى لا يعاقبني على الطّاعة بكلّ حال ولا يضرّنى على أنّى إن أدخلت النّار وأنا مطيع أحبّ إلىّ من أن أدخلها وأنا عاص ، فكيف ووعده حقّ وقوله صدق . وقد وعد على الطّاعات بالثّواب فمن لقى اللّه تعالى على الإيمان والطّاعة لم يدخل النّار ألبتّة ؟ ودخل الجنة لا لاستحقاقه بعمله الجنّة ولكن لوعد اللّه الصّادق تعالى وتقدّس ، ولهذا المعنى أخبر اللّه تعالى عن السّعداء ، إذ قالوا : الحمد للّه الّذى صدقنا وعده ،
شرح
بالبناء للمفعول : أي خلقك اللّه وقدرك ( سعيدا ) في الأزل ( لم يضرك ترك العمل ، وإن خلقت شقيا لم ينفعك فعله ) أي هذا العمل ( فان عصمه اللّه تعالى رده ) أي الشيطان ( بأن قال ) أي ابن آدم ( إنما أنا عبد ، و ) حق ( على العبد امتثال الأمر لعبوديته ، والرب ) تعالى ( أعلم بربوبيته يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد ، ولأنه ) أي الشأن ( ينفعني العمل كيفما كنت ) مطلقا سعيدا أو شقيا ( لأنى إن كنت سعيدا احتجت إليه ) أي إلى ذلك العمل ( لزيادة الثواب ) والأجر في الدار الآخرة ( وإن كنت شقيا فأنا محتاج إليه ) أي العمل ( كي لا ألوم نفسي ) بترك الامتثال لأمر ربى ( على أن اللّه تعالى لا يعاقبني على الطاعة بكل حال ولا يضرني ) عليها ( على أنى إن أدخلت النار وأنا مطيع ) للّه تعالى ( أحبّ إلىّ من أن أدخلها ) أي النار ( وأنا عاص ) له تعالي ( فكيف ) يكون ذلك ( ووعده ) تعالى ( حق ، وقوله ) جلّ وعزّ ( صدق ، وقد وعد ) سبحانه وتعالى ( على ) فعل ( الطاعات بالثواب فمن لقى اللّه تعالى ) بالموت ( على الإيمان والطاعة لم يدخل النار البتة ) أي قطعا ( ودخل الجنة ، لا ) يدخلها ( لاستحقاقه بعمله ) دخول ( الجنة ولكن ) دخلها ( لوعد اللّه الصادق تعالى وتقدس ، ولهذا المعنى ) وهو دخول الجنة بوعده الكريم وفضله العظيم لا بالعمل المدخول الذميم ( أخبر اللّه تعالى عن ) حال ( السعداء إذ قالوا : الحمد للّه الذي صدقنا وعده ) بالجنة : أي في قوله« تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا »كما صرح به الخطيب . قال حكيم من الحكماء العارفين : الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي ، فإن امتنع منها أتاه من وجه النصيحة حتى يلقيه في بدعته ويحسن له إياها ، فإن أبى أمره بالتحرج والشدة حتى يحرم ما ليس بحرام ، فإن أبي من ذلك شككه في وضوئه وصلاته حتى يخرج عن العلم