شرح
الأمور من لازمه غالبا دخول الآفات التي تحبطها ، فإن من طلب الحديث لزمته الرياسة وصار مقدمه عند الناس في التعظيم والإكرام على من لم يطلبه ، وقل من يتخلص من الميل والمحبة لمثل ذلك .
وأما التجارة والبيع والشراء مع الخلاص من الميل إلى الدنيا فلا يكون إلا ممن كمل سلوكه ودخل حضرة اللّه وعرف المواقع كلها ، فكلام أبى سليمان جرى على الغالب فلا لوم على حجة الإسلام الغزالي في تقريره إياه . وأما كون التزويج من جملة الميل إلى الدنيا فهو ظاهر لأنه الغالب يطلب الاستمتاع ، وذلك لا يحصل إلا بالوقوع في الآفات التي كان عنها بمعزل أيام عزوبته ، لا سيما إن كان متجردا عن القيام في الأسباب التي تجلب له أمر معاشه فإنه يتلف بالكلية ، ويلزمه الرياء لكل من أحسن إليه بلقمة أو خرقة أو غيرهما ، فأبغض الخلق إليه من يذمه عنده خوفا أن يتغير اعتقاده فيه فيقطع عنه بره فكأن عبادة هذا كلها لأجل الذي أحسن إليه . وفي الحديث « خيركم بعد المائتين الخفيف الحاذّ » : أي الذي لا زوجة له ولا ولد . وفي الحديث أيضا « سيأتي على أمتي زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وولده - فذكر الحديث إلى أن قال : وذلك أنهم يعيرونه بضيق المعيشة إلى أن يورده موارد الهلاك » وقد استشار شخص سيدي عليا الخواص في التزويج فقال له شاور غيرى ، فقال له فقيه ما منعك أن تشير عليه بفعل السنة ؟ فقال له الشيخ أنت ما حفظت إلا كونه سنة ، أما تنظر الآفات المترتبة عليه من هلاك الدين وأكل الحرام والشبهات فاعلم ذلك . ومما أنكروه عليه تقريره في الإحياء قول الجنيد : إذا كان الأولاد عقوبة شهوة الحلال فما ظنكم بعقوبة شهوة الحرام . قال ابن القيم : هذا غلط من الجنيد ومن أقره على ذلك ، فإن الجماع سنة أو مباح وكلاهما لا عقوبة على فاعله جريا على قواعد الشريعة . والجواب أن مراد الجنيد العقوبة التي تحصل بلازم ذلك لا بعينه . قال اللّه تعالى« أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ » . *وقال تعالى« إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ». ولا يحذر اللّه تعالى إلا ما فيه رائحة الإثم .
ومن مصطلح القوم أن يؤاخذوا المريد على فعل المباح ويعاقبوه عليه من حيث كونه يوقف على الترقي ، ولكل مقام رجال . ومما أنكروه عليه أيضا تقريره قول أبى حمزة البغدادي : إني لأستحى من اللّه أن أدخل البادية وأنا شبعان ، وقد اعتقدت التوكل لئلا يكون شبعى زادا تزودت به . قال المنكر : ومن العجب اعتذاره عن أبي حمزة بقوله : كلام أبى حمزة صحيح ، لكن محتاج إلى شرطين : أحدهما أن تكون للانسان قدرة من نفسه بحيث يمكنه الصبر عن الطعام أسبوعا ونحوه .
والثاني أن يمكنه التقوّت بالحشيش ولا تخلو البادية من أن يلقاه الذي معه طعام بعد أسبوع أو ينتهى إلى محلة أو حشيش يجد به ما يقوته . قال ابن القيم : أقبح ما في هذا القول صدوره من فقيه فإنه قد لا يلقى أحدا وقد يضل وقد يمرض فلا يصلح له الحشيش وقد يلقاه من لا يطعمه وقد يموت فلا يدفنه أحد . فالجواب أما كلام أبى حمزة فهو في نهاية الاخلاص وكذلك ما شرطه الغزالي هو صحيح يتمشى على قواعد الفقه . وأما ما ذكره ابن القيم فلا ينهض حجة واضحة على أبى حمزة