[ الفصل الثالث : الرق بين خاطر خير يكون من اللّه أو من الملك ]
وأمّا الفصل الثّالث : إذا أردت أن تفرّق بين خاطر خير يكون من اللّه تعالى أو من الملك ، فانظر في ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها : أن تنظر فإن كان قويّا مصمّما فهو من اللّه تعالى ، وإن كان متردّدا فهو من الملك ، إذ هو بمنزلة ناصح يدخل
شرح
ووسوسة الشيطان كالتطارد بين النور والظلام أحدهما ينسخ الثاني ، وبين الليل والنهار فإذا جاء الليل ذهب النهار وبالعكس ، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره ، وآخر بضده ، ومنهم من يكون زمنه نهارا كله وآخر بضده ، ولتضادهما قال اللّه تعالى« اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ »قال أنس رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن الشيطان واضع خرطومه علي قلب ابن آدم فإن هو ذكر اللّه تعالى خنس ، وإن نسي اللّه التقم قلبه ، فذلك الوسواس الخناس » . قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن عدي في الكامل وفي الترغيب لابن شاهين عن أنس مرفوعا بلفظ « إن للوسواس خطما كخطم الطائر ، فإذا غفل ابن آدم وضع ذلك المنقار في أذن القلب يوسوس ، فإذا ذكر اللّه خنس فذلك الوسواس الخناس » وأخرج أبو بكر بن أبي داود في كتاب ذم الوسوسة عن معاوية في قوله « الوسواس الخناس » قال مثل الشيطان كمثل عرس واضع فمه على فم القلب فيوسوس اليه ، فإذا ذكر اللّه خنس وإن سكت عاد إليه فهو الوسواس الخناس .
قال حجة الإسلام : وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم ابن آدم ودمه فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه ودمه ومحيطة بالقلب من جوانبه ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم « إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع » . رواه الشيخان وذلك لأن الجوع يكسر سورة الشهوات ومجرى الشيطان الشهوات فأمر بتضييقه بالجوع بكسر ما يتولد منه ، ولأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه . قال اللّه تعالى إخبارا عن إبليس« لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ »ولذلك لا يتصور أن ينفك عنه آدمي ما دام حيا وإنما يختلفون بعصيانه ومتابعته ، فتارة بتابعه ، وتارة يخالفه ، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما منكم من أحد إلا وله شيطان قالوا ولك يا رسول اللّه ؟ قال : ولى ولكن اللّه أعانني عليه فأسلم » . رواه ابن حبان والبغوي والطبراني .
قال المصنف رحمه اللّه تعالى ( وأما الفصل الثالث ) هذا آخر الفصول الثلاثة التي لا بد لك من معرفتها ( إذا أردت أن تفرف بين خاطر خير يكون من اللّه تعالى ، أو ) يكون ( من الملك ) الملهم ( فانظر في ذلك ) الخاطر ( من ثلاثة أوجه : أحدها أن تنظر ) في ذلك الخاطر ( فإن كان قويا مصمما ) أي محكما ( فهو ) أي الخاطر المصمم ( من اللّه تعالى ، وإن كان مترددا ) لا يثبت على حالة واحدة ( فهو من الملك إذ هو ) أي الملك ( بمنزلة ناصح ) أي مريد للخير ( يدخل ) ذلك الملك