في فعله اقتداء بالصّالحين فهو خير ، وإن كان بالضّدّ اتّباعا للطّالحين فهو شرّ ، فإن لم يستبن لك بهذا الميزان فاعرضه على النّفس والهوى فانظر ، وإن كان ممّا تنفر عنه النّفس نفرة طبع لا نفرة خشية وترهيب فاعلم أنّه خير ، وإن كان ممّا تميل إليه النّفس ميل طبع وجبلّة لا ميل رجاء إلى اللّه تعالى وترغيب فهو شرّ إذ النّفس أمّارة بالسّوء لا تميل بأصلها إلى خير فبأحد هذه الموازين إذا نظرت وأمعنت النّظر يستبين لك خاطر الخير من خاطر الشّرّ ، واللّه تعالى ولىّ الهداية بفضله إنّه جواد كريم .
شرح
في فعله ) أي ما اقتضاه الخاطر ( اقتداء بالصالحين فهو خير وإن كان ) في فعله ( بالضد اتباعا للطالحين أي الفاجرين . قال العلامة عبد الحق : الطالح خلاف الصالح ( فهو شر ، فإن لم يستبن لك ) حاله ( بهذا الميزان ) الثاني ( فاعرضه ) أي الخاطر ( علي النفس والهوى فانظر إن كان ) مقتضى الخاطر ( مما تنفر عنه النفس نفرة طبع لا نفرة خشية ) من اللّه تعالى ( وترهيب ) أي خوف ( فاعلم أنه خير ، وإن كان ) مطلوبه ( مما تميل النفس إليه ميل طبع ) مفعول مطلق ( وجبلة ) أي خلقة وطبيعة ( لا ميل رجاء إلى اللّه تعالى وترغيب فهو ) أي ذلك الخاطر ( شرّ ) هذا هو الميزان الثالث ، ولم يذكر رحمه اللّه الميزان الرابع كما علمت ( إذ النفس أمارة بالسوء لا تميل بأصلها إلى خير ) أصلا بل تميل إلى دعة وراحة ( فبأحد هذه الموازين ) أي الثلاثة ( إذا نظرت وأمعنت ) أي بالغت ( النظر يستبين ) أي يظهر ( لك خاطر الخير من خاطر الشر واللّه تعالى ولىّ الهداية بفضله ) وإحسانه ( إنه جواد كريم ) ورؤوف رحيم . وقد ذكر العلامة المحقق الزبيدي أن من قصر عن دقائق الزهد وتطلع إلي تمييز الخواطر بزن الخواطر أولا بميزان الشرع ؛ فما كان من ذلك فضلا أو فرضا يمضيه ، وما كان من ذلك محرما أو مكروها يتقيه فإذا استوى الخاطران في نظر العلم ينفذ أقربهما إلى مخالفة هوى النفس ، فان النفس قد يكون لها هوى كامنا في أحدهما والغالب من شأن النفس الاعوجاج والركون إلى الدون ، وقد يلم الخاطر بنشاط النفس والعبد يطن أنه بنهوض القلب ، وقد يكون من القلب نفاق لسكونه إلى النفس ولا يدرك نفاق الخواطر المتولدة منه إلا الراسخون ، وأكثر ما تدخل الآفات على أرباب القلوب والآخذين من اليقين واليقظة والحال ، فهم من هذا القبيل وذلك لقلة العلم بالنفس والقلب وبقاء نصيب الهوى فيهم . وينبغي أن يعلم العبد أنه مهما بقي عليه أثر من الهوى وإن دق قد بقي عليه بحسبه بقية من اشتباه الخواطر ثم قد يغلط في تمييز الخواطر من حرم قليل العلم ، ولا يؤاخذ بذلك ما لم تكن عليه من الشرع مطالبة وقد لا يسامح بذلك بعض الغالطين لما كوشفوا به من دقيق الخطأ في التمييز ثم استعجالهم مع