تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
ثمّ اعلم بعد هذا أنّك محتاج إلى معرفة ثلاثة فصول لا بدّ لك منها البتة وفيها المقصود : أحدها الفرق بين خاطر الخير وخاطر الشّرّ في الجملة . والثّانى الفرق بين خاطر شرّ ابتدائىّ أو شيطانىّ أو هوائىّ ، وبماذا يفرّق بينها فإنّ لكلّ واحد منها دفعا من نوع آخر والثّالث الفرق بين خاطر خير ابتدائىّ أو إلهاميّ أو شيطانىّ أو هوائىّ لتتبّع ما يكون من اللّه تعالى أو من الملهم وتجتنب ما يكون من الشّيطان . وكذلك الهوى على قول من يقول به
شرح
أوله خيرا وآخره شرا ، وبغية العدو من ذلك باطنه وآخره ، وشهوة النفس من ذلك هواها ومناها قد لبسا ظاهره بالخير وموها أوله بالبر تحسينا ، وهذا من أدق ما يبتلى به العاملون ، ولا يعرف بواطنه وسرائره إلا العالمون ، فأما خاطر الملك فلا يرد إلا بخير صريح وبر محض على كل حال إذا ورد ، لأن الخداع والحيلة ليسا من وصف الملائكة ، ولكن قد تنقطع خواطر الملك من القلب إذا اشتدت قسوته ، ودامت معصيته من المبعدين ، فيخلى بين القلب وبين نوازع العدو اللعين ، ويتخلى العدو بهوى النفس فيستحوذ ويقترن بالعبد ، نعوذ باللّه من إبعاده ، ولا يزال العبد من إلهام الملك في مقام الايمان ، فإذا رفع إلى مقامات اليقين تولاه اللّه تعالى بواسطة أنوار الروح ، فكأن الروح مكان لقاء الحق سبحانه حتى يرد عليه من اللّه تعالى من السرائر مالا يطلع عليه الملك ، ولا يكون ذلك حتى تفنى خواطر النفس بالهوى فلا تبقى منها بقية ، وتقوى النفس فتدرج في الروح فلا تظهر منها داعية ، ثم يتولاه اللّه بنور اليقين فيستطع له نور اليقين من خزانة الغيب بمكاشفة الجبروت ، فيشهد العبد شهادة الحق بالحق معاينة الغيب يفقد كونه ووجد كينونته ، وما لا يصلح بعد ذلك كشفه إلا لأهله أو لمن سأل عنه ، وهذا يكون في مقام التوحيد وهو أنصبة المقربين ، ( ثم اعلم بعد هذا ) أي التقسيم المذكور ( أنك محتاج إلى معرفة ثلاثة فصول لا بد ) أي لا غنى ( لك منها ) أي المعرفة ( البتة ) أي قطعا ( وفيها المقصود ) أي من التقسيم الذي ذكر ( أحدها ) أي الفصول الثلاثة ( الفرق بين خاطر الخير وخاطر الشر في الجملة ) أي مر اللّه ومن هوى النفس ومن الشيطان ( والثاني الفرق بين خاطر شر ابتدائي أو شيطانى أو هوائى وبماذا ) أي بأي شئ ( يفرق بينها ) أي الخواطر الثلاث ( فإن لكل واجد منها دفعا من نوع اخر والثالث الفرق بين خاطر خير ابتدائي أو إلهامى أو شيطانى أو هوائى ) وذلك ( لتتبع ما ) أي الخاطر الذي ( يكون من اللّه تعالي أو ) الذي يكون ( من الملهم وتجتنب ما يكون من الشيطان وكذلك ) المذكور من الشيطان رأى في الاجتناب ( الهوى على قول من يقول به ) لأن الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه .