تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
إلّا لذلك ؛ والخاطر الّذى يكون من قبل الشّيطان لا يكون إلّا بشرّ إغواء واستزلالا وربّما يكون بالخير مكرا واستدراجا ؛ والّذى يكون من قبل هوى النّفس يكون بالشّرّ وبما لا خير فيه تمنّعا وتعسّفا ، ولقد وجدت عن بعض السّلف أنّ هوى النّفس أيضا قد يدعو إلى خير والمقصود منه شرّ كالشّيطان فهذه أنواعها .
شرح
( إلا لذلك ) الخير ( والخاطر الذي يكون من قبل الشيطان لا يكون إلا بشر إغواء ) أي إضلالا ( واستزلالا ) أي طلب للزلة ( وربما يكون ) خاطر الشيطان ( بالخير مكرا واستدراجا ) أي أخذا قليلا قليلا بمكيدته إلى غمرة الهلاك . قال بعضهم : الاستدراج استرسال النعم على العبد عند استرساله على المعاصي حتى يؤخذ بغتة ( و ) الخاطر ( الذي يكون من قبل هوى النفس يكون بالشر وبما لا خير فيه تمنعا ) أي منعا على الخير ( وتعسفا ) أي أخذا على غير الطريق ( ولقد وجدت عن بعض السلف ) الصالحين ( أن هوى النفس أيضا ) أي كالشيطان ( قد يدعو إلى خير والمقصود منه ) أي الخير الذي دعاه الهوى إليه ( شر كالشيطان ) هذا تأكيد لقوله أيضا ( فهذه ) أي الأنواع التي ذكرناها ( أنواعها ) أي الخواطر . واعلم أنه قد تختلف اللمتان ، فربما تقدمت إليه لمة العدو بالأمر بالشر ويقدح بعدها لمة الملك نصرة للعبد ، وتثبيتا على الخير ، وعناية من الرب ، فينهى عن ذلك ؛ فعلى العبد أن يعصى الخاطر الأول ويتبع الثاني ، وقد يتقدم إلهام الملك بالخير ثم يقدح بعده خاطر العد وبالنهى عنه ، والإملاء بالتأخير عنه محنة من اللّه تعالى للعبد لينظر كيف يعمل ، فعليه أن يطيع الخاطر الأول ويعصى الثاني ، ثم ترقى الخاطر من إلهام ووسوسة ؛ وقد يتفاوت ذلك لقوة وضعف لتفاوت الأحكام والإرادة من الحاكم ومن قبل تقدير القدرة وغرائب الأحكام بالمشيئة ، لأن له في خزانة الخير خزائن شر إذا شاء ، وله في خزانة الشر خزائن خير إذا أحب لمن يحب لئلا يسكن إلي سواه ، فإذا شهد العارف ذلك لم يقطع بخير ولا يدل به أبدا ، لأنه لا يأمن مكر اللّه بتقليب خزائن الشر من خزانة الخير ، إذ غلبه أبداه ولم ييأس من شر عليه أبدا ، لأنه يرجو تقليب خزائن الخير من حيث خزائن الشر ، فيكون بين الخوف والرجاء ، ولا يدرك ذلك إلا بدقائق العلوم ولطائف الفهوم وصفاء الأنوار من تعليم الرحيم الجبار ، فما كان العبد يجد بعد خطرة الشر خطرة خير تنهاه عنها فهو منظور إليه متدارك ، وهذا هو الواعظ القائم في القلب ، والزاجر المؤيد العقل ؛ وقد تترادف خواطر الشر عن النفس والهوى ، فلا يعتقبها خاطر خير من الملك ، وهذا علامة البعد ، ونهاية قسوة القلب ، وقد يتتابع خاطر الخير من الروح والملك ويعافى العبد من خاطر الهوى والنفس ، وهذه علامة القرب وهو حال المقربين ، وقد ترد خواطر العدو ووساوسه بالخير ابتلاء من اللّه تعالى لعبده وحيلة من العدو ومكرا من النفس ، يريد العدو بذلك الشر ، أو يخرجه آخرا إلى إثم أو ليقطعه بذلك عن واجب يشغله به عن الأفضل في الحال فيكون ظاهره برا وباطنه إثما ويكون