[ الفصل الأول : في الفرق بين خاطر الخير وخاطر الشر ]
فأمّا الفصل الأوّل : فقال علماؤنا رضى اللّه عنهم : إذا أردت أن تعلم خاطر الخير من خاطر الشّرّ وتفرّق بينهما فزنه بأحد الموازين الأربعة يتبيّن لك حاله : الأوّل أن تعرض الأمر الّذى خطر ببالك على الشّرع ، فإن وافق جنسه فهو خير ، وإن كان بالضّدّ برخصة أو شبهة فهو شرّ ، فإن لم يستبن لك بهذا الميزان فاعرضه على الاقتداء فإن كان
شرح
( تنبيه ) وسبب اشتباه الخواطر أربعة أشياء لا خامس لها : إما ضعف اليقين أو قلة العلم بمعرفة صفات النفس وأخلاقها ، أو متابعة الهوى بخرم قواعد التقوى ، أو محبة الدنيا وجاهلها ومالها ، وطلب الرفعة والمنزلة عند الناس ؛ فمن عصم عن هذه الأربعة يفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ، ومن ابتلى بها لا يعلمها ولا يتطلبها ، وانكشاف بعض الخواطر دون البعض لوجود بعض هذه الأربعة دون البعض ، وأقوم الناس بتمييز الخواطر ، أقومهم بمعرفة النفس ، ومعرفة النفس عسر المنال ، لا يكاد ييسر إلا بعد الاستقصاء في الزهد والتقوى .
واتفق المشايخ على أن من كان أكله من الحرام لا يفرق بين الإلهام والوسوسة . وقال أبو علي الدقاق : من كان قوته معلوما لا يفرق بين الإلهام والوسوسة ، قال الزبيدي : وهذا لا يصح على الاطلاق إلا بقيد ؛ وذلك أن من المعلوم ما يقيمه الحق تعالى لعبد سبق إليه الإذن في الأخذ منه والتقوت ، ومثل هذا المعلوم لا يحجب عن تمييز الخواطر إنما يقال ذلك في حق من دخل في معلوم باختيار منه وإيثار ، لأنه يحجب لموضع اختياره والذي أشرنا إليه منسلخ عن إرادته ، ولا يحجبه المعلوم ، وفرقوا بين هواجس النفس ووسوسة الشيطان وقالوا إن النفس تطالب وتلمح فلا تزال كذلك حتى تصل إلى مرادها ، والشيطان إذا دعا ولم يجب يوسوس بأخري ، إذا لا غرض له في تخصيص بل مراده الإغواء كيف أمكن . وتكلم الشيوخ في الخاطرين إذا كان من الحق أيهما يتبع . قال الجنيد : الخاطر الأول ، لأنه إذا بقي رجع صاحبه إلى التأمل ؛ وهذا بشرط العلم .
وقال ابن عطاء : الثاني لأنه ازداد قوة بالأول . وقال أبو عبد اللّه بن حفيف : هما سواء ، لأنهما من الحق فلا مزية لأحدهما على الآخر .
وقد فصل المصنف رحمه اللّه ما أجمله أولا بقوله ( فأما الفصل الأول ) من الفصول الثلاثة ( فقال علماؤنا رضى اللّه عنهم : إذا أردت أن تعلم خاطر الخير من خاطر الشر ، و ) أردت أن ( تفرق بينهما ) أي الخاطرين ( فزنه ) أي الخاطر أولا ( بأحد الموازين الأربعة ) المناسب الثلاثة ( يتبين لك حاله ) أي الخاطر من خير أو شر : ( الأول أن تعرض الأمر الذي خطر ببالك ) أي بقلبك ( على ) ميزان ( الشرع فإن وافق ) الخاطر الذي بقلبك ( جنسه ) أي جنس أمر الشرع ( فهو خير وإن كان ) الخاطر ( بالضد ) كأن كان ( برخصة أو شبهة فهو شر ، فإن لم يستبن ) أي لم يظهر ( لك ) حاله ( بهذا الميزان ) الأول ( فاعرضه على الاقتداء ) بالصالحين ( فإن كان